معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٩٦364
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
من خلال هذه المصادر التفسيرية المتنوعة من حيث مدارسها ومناهجها ومن حيث الفترات الزمنية التي ألفت فيها، ومن حيث التوجهات الفكرية والمذهبية لأصحابها تظهر رحابة صدر الشيخ وتفتحه على مختلف المدارس الإسلامية والتيارات الفكرية واستفادته منها جميعا دون إقصاء. إلا أن ما ينبغي تسجيله بكل وضوح أن شخصية الشيخ التفسيرية كانت قوية جدا وكانت متميزة خاصة في انتهاجها البعد الإصلاحي التربوي الاجتماعي، إذ لم يكن الشيخ مكتفيا بترديد ما طالعه عند المفسرين، أو منحصرا في نقل ما وجده عندهم من معان وأحكام، بل إن جلوسه أمام طلبته وجماهير الناس مخاطبا إياهم مراعيا فيهم تفاوت مستوياتهم واختلاف شرائحهم، ومستحضرا أوضاعهم وما يشغل بالهم يجعله وهو يفسر القرآن يعرض معاني آياته بطبعة جديدة تحمل بصمات شخصيته العلمية الإصلاحية.
يقول الشيخ بيوض في توضيح حاله أثناء درس التفسير: «مع مطالعاتي لهذه التفاسير فإن الله سبحانه يفتح علي من التفسير بأشياء كثيرة يلهمني إياها، وأغلبها وقت الدرس، وأحس أنني في وقت الدرس على أحوال لم أكن عليها من قبل، وأحس بقوة فكرية وانفعال لا أكون عليهما في الأحوال العادية» (1).
إن ثمار هذه الدروس التفسيرية على جماهير الناس وعلى المجتمع كانت عظيمة جدا لا يقدر حقيقتها إلا من كان يحضر هذا الجو العلمي الإيماني القرآني العظيم، فقد استطاع الشيخ أن يحول مسجد القرارة إلى قبلة علمية تقصد من كل أنحاء وادي ميزاب وأنحاء القطر الجزائري، وحول المسجد فعلا إلى إشعاع علمي يستنير منه كل قاصد له، كما استطاع أن يوطد أركان حركته الإصلاحية ونهضة العلمية من خلال هذه الدروس.
يتحدث الشيخ بيوض قائلا عن آثار دروسه التفسيرية: «إنني أحمد الله تبارك وتعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامة … إن البلدة كلها
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 125.