معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٠٨

376

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

ومؤسسات الدولة الجزائرية، إلا أن ما ينبغي تقريره بكل وضوح أن هذه الهيئات العرفية استطاعت أن تبقي في يدها التأثير في صناعة القرار وإحداث الحركية الاجتماعية وأخذ زمام المبادرة في المنطقة، رغم كل ما يمكن أن يقال عن مراحل الضعف والاسترخاء التي عرفتها هذه الهيئات بين حين وآخر.

كثيرا ما تجاذبت هذه السلط مع نظام العزابة أطراف اللعبة السياسية وعملية التأثير على المجتمع؛ خاصة في عهد الاستعمار بمحاولة الحد من من الصلاحيات والتقليص من النفوذ وبسياسة التفريق والتشتيت، وكثيرا ما نجح الاستعمار في بلوغ مآربه، إلا أن هذا النظام لم يكن يتوانى في استعادة أنفاسه من جديد، ولم يكن يلبث في الملمة صفوفه، واسترداد ما ضاع منه بطريقة أو بأخرى بعد تغير الأوضاع وزوال الزوابع، فيعود إلى التموقع والتجدد والتمكن من ناصية المجتمع (). شهد بذلك أحد الباحثين المستشرقين المختصين في دراسة المذهب الإباضي هو البولوني لفتسكي (Lyvitski) إذ يقول: «بعد احتلال الفرنسيين لميزاب سنة 1300 هـ / 1882 م استمر شيوخ العزابة في التمتع الدائم بالسلطة الروحية الكبيرة على المدن الميزابية، ولكن لم تبق لهم أية سلطة سياسية، واقتصرت سلطتهم على السهر لتطبيق تعاليم المذهب الإباضي … وفي هذا المجال فإن سلطة العزابة وشيخ الحلقة لا تزال دائما جد كبيرة يملكون الوصاية على كل المواطنين الإباضيين بميزاب، وتبقى الحلقة دائما هي الهيئة الدينية والروحية العليا للميزابيين» (2). كما وقع ذلك بعد استقلال الجزائر بمحاولة جهات نافذة في حزب جبهة التحرير الوطني على مستوى ولاية غرداية لأغراض منحرفة زعزعة الاستقرار الداخلي لهذا المجتمع بالمساس بهذه الهيئات والنيل من مشايخها وعزابتها، ومحاولة تشكيك الأجيال في جدواها وقدرتها على مسايرة التطورات الحاصلة في الجزائر والعالم، وكذا بإلصاق التهم الباطلة بهذا النظام لأجل تأليب السلطات العليا في

(1) ناصر: حلقة العزابة، ص 37 - 45. (2) دائرة المعارف الإسلامية، مج 3، ص 97 - 101. نقلا عن كتاب: محمد ناصر: حلقة العزابة، ص 37 - 38.