معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤١٣

المبحث الثالث: الهيئات العرفية

381

يوم في كل قرية وفي كل مدينة فاقتحموا ميادين الإصلاح، فضوا المشاكل بالحلول المرضية، وسووا الخلافات بالعدل والحكمة فإنكم بذلك تفرضون وجودكم، وتعرفون بأنفسكم، وتحملون الناس على احترامكم» (4).

من جهة أخرى؛ فإن هذه الأهمية الدينية والاجتماعية التي تحظى بها حلقات العزابة عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب بكونها أعلى هيئة في المجتمع؛ يعود إليها القول الفصل في شؤون البلد في الدين والحياة من خلال إشرافها على مؤسسة المسجد وتسيير وظائفها، وتوجيه الخطاب الدعوي من خلال منبره الذي يؤثر مباشرة في عموم الناس - كما سلف أن بينا - جعل منها محل تنافس وتدافع بين التيارين المتخاصمين في وادي ميزاب والحريصين على الاستحواذ على الأفراد والمؤسسات.

يحدثنا التاريخ أن وادي ميزاب أثناء قيام النهضة الإصلاحية شهد صراعات داخلية عديدة وسط هذه الحلقات بين التيارين المتناطحين: تيار الإصلاح والتجديد الناشئ، وتيار المحافظة والجمود السائد؛ لأجل الإمساك بزمام هذه الحلقات التي من خلالها يتم التحكم في بقية مؤسسات المجتمع.

شهدت قرى وادي ميزاب عموما هذه المناطحات بين العزابة الموالين للحركة الإصلاحية الحاملين لفكر الشيخ بيوض من تلاميذه ورفقائه ومناصرين، وبين المتشبثين بفكر المحافظين والمعادين للشيخ بيوض وأتباعه وتوجهاته.

أسفرت هذه المعارك - الخفية أحيانا والمعلنة أحيانا أخرى، الباردة أحيانا والساخنة أحيانا أخرى - على وقوع انقلابات داخل حلقات العزابة على مستوى بعض القرى؛ تمكن من خلالها المصلحون من السيطرة على هذه الحلقات كلية وعزل العزابة المحافظين، أو دفعهم للاستقالة من مناصبهم، أو إرغامهم للركون إلى الصمت والحياد، أو الانعزال عن المجتمع نهائيا، أو الهجرة إلى مواطن المحافظين (2).

(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 206. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 211 - 291.