معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤١٤

382

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

هذا ما وقع فعلا في معاقل الإصلاح أين قويت شوكته وانتشرت أفكاره وكثر أنصاره، وضعف خصومه، وهو ما حدث في بلدة القرارة وبلدة بريان. أما القرى التي بقي فيها تيار المحافظة متماسكا فإن الصراعات بين التيارين أسفرت على تفجير حلقات العزابة، وشقها إلى صفين؛ صف محافظ وصف مصلح، حيث اضطر عزابة الإصلاح وأنصاره أن يتخذوا لأنفسهم حلقة خاصة بهم، تحمل الفكر البيوضي والمشروع الإصلاحي، مع بقاء حلقات العزابة المحافظين.

ترتب عن هذا الصراع وعن هذا التصدع في قمة الهرم انقسام المجتمع بأكمله إلى صفين كذلك، صف موال للمصلحين حامل لأفكاره وتوجهاته، وصف موال للمحافظين باق على ما هم عليه هذا ما شهدته كل من بلدة غرداية وبنورة والعطف (1).

مع مرور الوقت اتخذت حلقات العزابة الموالية للحركة الإصلاحية مؤسساتها الدينية والتعليمية وجمعياتها الخيرية، فاستقلت بمساجدها ومدارسها وصبغت كل أنشطتها بالفكرة الإصلاحية البيوضية، خاصة بعدما تعسر الجمع بين الفريقين وفشلت المساعي المبذولة لرأب الصدع، لما كان يكنه أقطاب حزب المحافظين من عداء ومقت للشيخ بيوض وأفكاره وتلاميذه، وللاختلاف البين في وجهات النظر حول العديد من القضايا الاجتماعية والفقهية بين التيارين

كما نقل هذا الصراع إلى مستوى مؤسسات العشائر بغية السيطرة عليها والتأثير من خلالها على الجماهير لما لها من أهمية في هيكلة المجتمع وتوجيهه، كما انتقل الصراع إلى مظاهر الحياة الاجتماعية العامة، فكان التجاذب في استمالة قلوب الناس وكسبهم أنصارا لأحد الصفين، بما كان يقدم كل تيار من خطاب مسجدي ومن أعمال ومن اجتهادات ومن مشاريع تربوية واجتماعية. كما نسجل أن بلدة بني يزقن بقيت الوحيدة التي لم يتمكن التيار الإصلاحي من اختراق هيئاتها وكسر وحدتها، رغم المحاولات المتكررة، ورغم وجود أنصار

(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 4، ص 27 - 51. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 166 - 168.