معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤١٦384
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
من جهة أخرى فإن طرف المسؤولية وشطره الآخر والأكبر في حدوث هذا الشرخ الذي زلزل أركان وادي ميزاب يتحمله هؤلاء الفقهاء والشيوخ والأعيان المحافظون الجامدون على الفهم التقليدي للدين، والمتشبثون بالنظرة السطحية للشريعة وللمذهب، المانعون للتجديد والتطوير فيهما، الواقفون أمام عجلة التغيير والعصرنة التي هي من سنن الكون الخالدة، المتصلبون في آرائهم ومواقفهم، العاجزون أمام التفاعل الإيجابي مع المستجدات المتذرعون بحماية المذهب والأعراف وسير الأجداد، المتمسكون بمراكزهم الدينية والاجتماعية. ثم ما تزامن مع كل ذلك من ظروف اجتماعية وسياسية داخلية حرجة متردية، تتحكم فيها آلة الاستعمار، وتستعمل بعض هؤلاء الشيوخ والأعيان كيفما شاءت وتضحك على أذقانهم، وتعمل على تخدير المجتمع من خلالهم وإبقائه على أوضاعه المختلة،
أضف إلى ذلك ما كان يعاني منه المجتمع بسبب الجهل والفاقة والصراعات. هكذا كانت الأقدار تدفع نحو صدام الفكرين النقيضين المتصلبين، وكسر أحدهما للآخر، بدل التقارب أو التنازل من الطريفين لأجل حصول الحل الوسط،
والالتقاء في دائرة التوافق والتفاهم والتسامح في دوائر الاختلاف والتباين. كما أسجل أنه من الصعب جدا تقدير أحقية كل طرف في ما ذهب إليه أو تشبث به، لأن ذلك مرهون أساسا بمعطيات تاريخية ظرفية كان يعيشها الفريقان ويقوم بها نظرته إلى أحكام الدين ومسائل الحياة من حوله.
إلا أنه من الضروري التأكيد أن الحركة الإصلاحية وجدت نفسها مدفوعة إلى سلك هذا الطريق، ولم يكن أمامها البديل من الخيارات لتحقيق مشروعها الإصلاحي دون دك معاقل الجمود وإزاحتها من الطريق نهائيا وإسقاطها من على سدة الحكم في وادي ميزاب، لأنها طالما وقفت سدا مانعا في طريق نهضتها، فوازنت بين المصالح والمفاسد وقضت أمرها فيهم.
ونحن كدارسين لتاريخ هذه المرحلة نستطيع التقويم فنقول إن مصالح ومنافع الحركة الإصلاحية غلبت بالكثير على مفاسدها؛ التي نعتبر بعضها جسيمة وآثارها السلبية على وادي ميزاب باقية إلى حد د اليوم.