معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤١٧385
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
في نقطة أخرى حاولت فهم أسباب المعارضة الشديدة الشرسة التي لاقاها الشيخ بيوض ولاقتها حركته من شيوخ وفقهاء تيار المحافظة والجمود؛ والذي لم يحصل بالضراوة نفسها مع المصلحين السابقين، فرددتها إلى ما يلي:
إن هؤلاء الفقهاء لم يستسيغوا انفلات القيادة العلمية والإصلاحية لوادي ميزاب من بين أيديهم وانتقالها إلى الشيخ بيوض، وهم الذين ورثوها من مشايخهم في بلدة بني يزقن طوال قرنين من الزمن؛ بداية من عهد الشيخ أبي زكرياء الأفضلي وصولا إلى عهد الشيخ اطفيش، كما لم يستسيغوا أن تولي وجهها شطر بلدة القرارة التي كانت تعد لديهم ولدى وادي ميزاب عموما - إلى العهد القريب - تابعة في كل شيء لبقية القرى؛ خاصة منها بلدة بني يزقن وارثة معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش.
كما كان ينظر إلى أهلها بكونهم قريبين إلى البدائية وإلى البدوية في حياتهم وفي، معاملاتهم، كما أن الجهل والأمية طاغ عليهم متفش فيهم، وهم لا يزالون بعيدين الاتصاف بالإصلاح والعلم والتحضر، الذي بدأت تظهر ملامحه ومعالمه في قرى وادي ميزاب وهم في مؤخرة القافلة بعيدين عن الالتحاق بالركب؛ فكيف بقيادته وبتوجيه قبلة العلم والإصلاح إليهم.
عن
لعل هذا ما يحدثنا به تاريخ بلدة القرارة، التي شهدت في بعض فتراتها فتنا وإحنا بين عشائرها وقبائلها كقطع الليل المظلم، واستحوذت عليهم العصبيات وتفشى فيهم الجهل، حتى ضيقوا على أصوات الإصلاح والعلم
لديهم
(1)
يضاف إلى ذلك أن المتزعم لهذا التيار التجديدي والمنادي بأفكاره لا يزال شابا يافعا، فأنى له التجربة والعلم اللذان يؤهلانه لهذه المهمة العظيمة، ويرفعانه إلى هذه المكانة الرائدة، ويجلسانه على هذا المقام الزكي؟
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 187.
Motylinski: Guerrara Depuis Sa Fondation، Alger، 1885، p 23 - 58. 27