معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٣٢400
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته،
تكافئهم بهذه المناصب مقابل ما يقدمونه لها من ولاء ومن خدمات وتنازلات واستجابات لسياستها المقيتة وأفكارها المنحرفة.
كان وراء هذا التهرب والعزوف عن هذه الوظائف المهمة والخطيرة تلك النظرة الدينية الاجتماعية المسيطرة السائدة آنذاك المتمثلة في تحريم شيوخ المساجد. والفقهاء لأي تعامل مع سلطات الحكم العسكري بتولي أحد مناصبها والعمل تحت أجهزتها وتنفيذ أوامرها وسياستها. حيث أطلقوا فتوى حرمة تولي المسلم للوظائف في أجهزة الدولة مهما كان نوعها لكونها سلطة كافرة مشرك ركة (4): محتجين في ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «لعن الله الظلمة وأعوانهم وأعوان.
أعوانهم (2). دامت هذه الحال من العزوف نحو ستين سنة؛ من تاريخ دخول المستعمر إلى وادي ميزاب سنة 1269 هـ/ 1853 م، إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين؛ هذا ما جعل أعلام الحركة الإصلاحية يتعرضون لهذه القضية ويحاولون علاج هذا الوضع وتغيير هذه النظرة التي رأوها خاطئة لا تتماشى مع روح الدين ومقاصده الكبرى وقواعده الكلية.
فكان موقفها صريحا في معارضة هذا التوجه ومحاربته في أذهان الناس وكانت جهودها في إقناع خيار البلد من الأعيان والرجال الأقوياء الأمناء للترشح والتقدم لتولى هذه المناصب، كما كانت جهودها في إبطال هذه الفتوى وبيان فسادها ومعارضتها لروح الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية، وتفنيد الحجج التي كان يقدمها التيار المحافظ على وجهة نظره.
يقول الشيخ بيوض: وقعت ضجة كبيرة من أولئك العلماء المعارضين للإصلاح في ميزاب في مسألة تولي بعض الوظائف المدنية تحت السلطة الفرنسية في
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 47 - 54. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 166
167
(2) لم أجده في الكتب التسعة.