معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٣٥

المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة

403

في وادي ميزاب وسببا في تفعيل حركيتها الاجتماعية وضم الجماهير إلى صفوفها. فشهد المجتمع فعلا غليانا اجتماعيا واستفاقة عامة مست كل الشرائح وجعلتهم يشاركون في العملية الإصلاحية النهضوية الشاملة (1).

كانت نتائج هذه الانتخابات كافية لتعلن غلبة تيار الإصلاح على تار المحافظين وتمكنه من السيطرة والتحكم في زمام أمور السياسة والحكم في وادي ميزاب وكذا قدرته على زعزعة أركان التيار الخصم، وزحزحته عن كثير من مواقعه وقلاعه التي كانت تحسب له وحصره في دوائر ضيقة، وإضعاف صوته وإخماد ناره التي كانت ملتهبة في وادي ميزاب على الإصلاح وأتباعه.

كما مكنت هذه الانتخابات من قياس شعبية التيار الإصلاحي ومعرفة أنصاره ومدى التفاف الجماهير حوله، وهل تمكن من انتزاع الشرعية التمثيلية لوادي

ميزاب والنطق باسمه والتعبير عن آلامه وأماله لدى السلطات الاستعمارية. لا شك أن هذه الفرصة كانت كذلك منعطفا تاريخيا مهما جدا حيث تعلمت منها الحركة الإصلاحية الكثير فيما يتعلق بالعمل السياسي والنضال الوطني السلمي، ومقارعة الاستعمار باستعمال الأساليب المعاصرة من تنظيم الانتخابات وحشد الجماهير وشرح السياسات وتسطير البرامج وبسط الأفكار.

في مقابل ذلك فإن تيار المحافظين المنافس والمنازع لها خسر الكثير من أتباعه وفقد الكثير من قلاعه جراء بعض مواقفه الساذجة وبعض آرائه المتخلفة وغير المستجيبة لمتطلبات العصر ولتحديات المجتمع، بانعزاله عن المجابهة والمواجهة والمغالبة، واكتفائه بالتنديد والاستنكار، وانكماشه على نفسه وانغلاقه على أوضاعه، واختياره المسالمة والمهادنة مع السلطات الاستعمارية المتعسفة والمتعفنة.

بهذا النوع من النشاط السياسي الجمعوي عملت الحركة الإصلاحية على تعرية التيار المحافظ وكشفه للجماهير على حقيقته في علاقته المضطربة والمتناقضة السلطات الاستعمارية؛ فهو من جهة يفتي بحرمة تولي مناصبه الإدارية، ومن

(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 201 - 349.