معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٣٩المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
407
فيها وادي ميزاب إثر إعلان تاريخ الانتخابات التي كانت في: 24 جمادى الأولى 1367 هـ / 4 أفريل 1948 م.
يصف الشيخ بيوض أجواء وادي ميزاب عشية هذه الانتخابات بقوله: «والله ما أبهت الأمة الميزابية لحدث في هذا العهد الأخير وما احتفلت مثل ما أبهت واحتفلت لهذا الحدث الجلل، وكان من لطف الله بها أن هيأها لتلقيه بما يناسب خطره من يقظة وانتباه … نبه الوعي القومي وحرك الخواطر وأيقظ المشاعر وأثار الحمية والحماس وهيج نيران الوطنية المتطرفة وشغل أسلاك البرق ومكاتب البريد
والإدارة زمنا وعمر النوادي وأسال أسيلات الألسنة والأقلام وقتا طويلا» (3). كما أرى أن هذا الحدث يعد اللحظة التاريخية النهائية الفاصلة بين التيارين المتنازعين المتصارعين في بلوغهما الذروة في الخلاف، ونقطة اللاعودة إلى الوراء في إمكانية الصلح واللقاء على طاولة الحوار والتفاهم والتقارب آنذاك، بحيث وسعت الهوة الموجودة بينهما بما عسر التفكير في إمكانية الجمع بينهما من جديد. كما تركت آثارا سلبية عميقة في المجتمع بحيث رسمت خطا أحمر فاصلا بين التيارين وحفرت بينهما خندقا عميقا لا تزال آثاره إلى حد اليوم رغم كل الجهود المبذولة للملمة الوضع.
كما أن مجريات هذه الانتخابات وما لفها من أحداث سابقة ولاحقة نقشت في أذهان الجيل الذي عايشها وبقي يروي تفاصيلها ويتأثر بها. لذا فأتصور أن هذا الحدث هو الذي أتم الكسر النهائي لصخرة وادي ميزاب وتقسيمها إلى شقين، وأتم
التشكل الكامل للشرخ البين فيه آنذاك، وبناء الجدار البرليني بين طرفيه.
على كل؛ هكذا تفعل سنن التدافع والتغالب والتشاكس في حياة البشرية. مضى كل فريق في نصرة توجهه إلى النهاية؛ فعارض التيار المحافظ وقاطع الانتخابات، وقدم العديد من العرائض والاحتجاجات للسلطات الفرنسية لإلغاء
(1) إبراهيم بيوض: رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري.