معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٥٤422
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث السادس:
القاعدة الاقتصادية
لا شك أن استعراض مسيرة حركة اتخذت من المجتمع ميدانا للعمل والإصلاح والتفاعل يستلزم طرح السؤال الذي يتبادر إلى أي ذهن عن الموارد المالية والمصادر التمويلية التي استندت عليها هذه الحركة لأجل تحويل مشروعها من عالم الأفكار إلى عالم الأشخاص والأشياء (1).
إن عملية تحويل الأفكار إلى الواقع لتحتاج بالضرورة إلى جهة تتبناها وتؤمن بها وتخطط لتجسيدها، كما تحتاج إلى جهة تنفق عليها وتمولها، وإلا بقيت آمالا
وأحلاما وطموحات عالقة في الأذهان دون أن ترى طريقها إلى نور الوجود. أحست الحركة الإصلاحية منذ الوهلة الأولى من ظهورها بحاجتها إلى بناء قاعدة اقتصادية قوية تكون لها السند والدعم في تشييد مشروعها الإصلاحي الطموح، وإعلاء صرحه وتعميم نفعه وتوسيع أفقه، وبسط ظلاله. كما أدرك أعلام الإصلاح منذ الوهلة الأولى أن نهضتهم لن تستطيع أن تذهب بعيدا دون توفر هذا الجانب الاستراتيجي والتمكن منه والتحكم في مصادره، وإلا ظلت رهينة الفاقة والحاجة، ولتعطلت مشاريعها في كل مرة وتعثر سيرها وتأخر إنجازها، بسبب افتقارها إلى مصدر التمويل، ولبقي الكثير منها خبرا على ورق و شطحات في الرؤوس، وأحلاما في العقول، دون أن تعرف طريقها إلى الواقع. أور وجدت نفسها رهينة ثلة من أهل المال والنفوذ - ممن لم يرتو الفكرة والهدف – مدفوعة للوقوع في شباكهم لحاجتها إليهم وعدم مقدرتها الاستغناء عليهم، فيملون
(1) هذه جزء من نظرية المفكر مالك بن نبي في تفسيره سيرورة الحركة التاريخية الإنسانية؛ بكونها تبدأ بالتولقد في عالم الأفكار ثم تجسد بوسائل في عالم الأشياء، نحو غاية يحددها عالم الأشخاص. ينظر في ذلك: بن ني: ميلاد مجتمع، ص 27. قاسم: نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي، ص 28.