معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٩٥المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
(2)
463
وأن دوافعها ومنطلقاتها كانت عقدية وحضارية قبل أن تكون مذهبية أو عرقية أو قطرية، وإن تقيدها بالمذهب الإباضي والتزامها بأعراف المجتمع الميزابي أملته ظروف تاريخية واجتماعية معينة، وأن ذلك يعد أمرا ضروريا بحكم وجودها بداخل هذا المجتمع، وولادتها من رحمه واحتضانه لها، ولا شك أن الإسلام يقر بهذا التنوع وبهذه الخصوصيات ما لم تتعد حرمات الله تعالى وتخالف شريعته، فلم تتحول هذه المذهبية (1) وهذه العرقية إلى معول هدم للإسلام، أو عامل تفريق لأفراده، أو مصدر تعصب ضد الآخرين، بل أثبت البحث أنها كانت عوامل قوة وتوحد وتمكين لأركان الإسلام في صفوف المجتمع في حقيقة الأمر إن الموضوعية تقتضي القول إن الطابع العام للنهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر كانت تتسم بالعمل الداخلي وتفريغ الجهود وتركيزها على المجتمع الإباضي في وادي ميزاب، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه أن هذا الأمر لم يكن وليد عصبية أو انزوائية أو أنانية، إذ أن الطابع العام للمجتمع الجزائري خلال هذه الفترة اقتضى أن يعمل كل في إطار قبيلته ومذهبه ومناطق نفوذه، حيث إن فكرة الجماعة والقبيلة هي المسيطرة، وفكرة المواطنة مازالت لم تنضج في الأذهان لدى الشعب الجزائري، أضف إلى ذلك ما بقي مترسبا في العقول من عهد انحطاط العالم الإسلامي من الأحكام الخاطئة المسبقة التي تحكم نظرات المذاهب الإسلامية لبعضها البعض، والتي ولدت التعصب المذهبي وجعلت كلا منها يحمل أفكارا خاطئة حول الآخر، فتشكل بينها مع مرور الزمن جدار فاصل متين.
(1) يرى الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان والمرجع الأول للإباضية أن التقارب بين المذاهب الإسلامية والعمل في إطاره أمر ضروري وواجب على المسلمين، ولكن لا بد أن ينبني على ضوابط شرعية، وأسس فكرية لا يجوز تجاوزها أو تعديها، متمثلة أساسا في الالتزام بثوابت الإسلام عقيدة وشريعة مقابلة مع
الشيخ أحمد الخليلي دمشق، سوريا، ماي 2008 م.
(2) يراجع الفصل الثالث من البحث، ص 187 فما بعد.