معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٠٣المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
471
- انزواء المجتمع الميزابي في الصحراء وابتعاده عن قلب الأحداث في الجزائر العاصمة والسواحل والمدن الكبرى جعله - يحافظ إلى حد ما - على دينه ومقوماته ومنظومته الاجتماعية، ولا يتأثر كثيرا بالسياسات الاستعمارية التي عملت ما بوسعها لتخريب كل ذلك بالمقارنة مع بقية الشعب الجزائري في الشمال.
اعترض الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب تيار فكري شديد جامد مستحكم، مما صعب عليها العمل والتحرك وأبطأ من سيرها، وتسبب في إحداث شرخ عميق في المجتمع وتقسيمه إلى جبهتين متصارعتين. وهذا ما لم يحدث لجمعية العلماء بالشدة والصورة نفسها.
حفاظ الحركة الإصلاحية على مؤسساتها الدينية والتربوية بعد استقلال الجزائر، وتواصل نشاطها الإصلاحي التربوي التعليمي إلى حد اليوم، وهذا ما لم يتسن لحركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تنازلت عن مؤسساتها لصالح الدولة الجزائرية، وأوقفت معظم أنشطتها التربوية التعليمية.
من هذه الجهود المبذولة يتضح كيف أن أعلام الإصلاح في الجزائر كانوا يحملون فعلا مشروعا حضاريا ساميا؛ تعاونوا على تحقيقه وتقاسموا الأدوار فيه، وكانوا يكملون بعضهم بعضا، ويضعون اليد في اليد لأجل التغلب على المشاكل والمعوقات التي كانت تعترض طريقهم. كما كانوا يحترمون أنفسهم، ويقدرون جهود بعضهم بعضا، ويعترفون بأفضال بعضهم على بعض، ويتفهمون خصوصياتهم، ويعذرون بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ولم يتفقوا عليه. من ذلك ما قاله الإمام ابن باديس في حق أخيه الشيخ أبي اليقظان: «وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها وله الحق عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية، ومسلم مخلص الله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من أعماله.