معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٤٠508
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
مثل هذا الجهد وهذه الدعاية خلال هذه الفترة إحدى أبرز واجهات الحراك
الاجتماعي، والنشاط الميداني واللقاءات الجماهيرية للحركة الإصلاحية. في خضم هذه الحملة الدعائية الواسعة والجهود المبذولة لتوعية الناس وتصحيح مفاهيمهم حول التعليم وحول المدارس العصرية كان رموز تيار الجمود والمحافظة يقفون بالمرصاد ضد هذه الجهود، ويعملون على عرقلتها وعلى تسفيهها وعلى تشويهها لدى الجماهير فهم لم يقتنعوا بهذا التجديد في التعليم، ولم يرضوا بفتح المدارس العصرية، ويدعون إلى الإبقاء على الكتاتيب والمحاضر فقط والاكتفاء بها دون سواها، فكانوا يصورون للناس أن هذه المدارس بدع وانحراف عن النهج القويم والطريق المستقيم الذي تركه المشايخ والأجداد، وأنها تقليد للكفار وتأثر بهم، واستعمال لوسائلهم من الطاولات والكراسي والأدوات، وأساليب التدريس، وتقليدهم في تدريس العلوم العصرية الحياتية التي هي من علوم الدنيا وزخرفها، فهي بالتالي ستؤثر سلبا في الأجيال، وستفسد دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم.
كانت منابر مساجد تيار الجمود تقود حملة دعائية معاكسة لدعوة المصلحين فتسمي هذه المدارس بـ: "المهارس، وتصورها لعامة الناس أوكارا لإفساد الطبائع والأخلاق، والضلال عن الدين والمذهب والأعراف والتقاليد (1).
!
من جهة أخرى كان العدو الثاني المتربص بهذه المدارس هم الحكام العسكريون الذي أصدروا تعليماتهم لمنع أي نشاط للمدارس العربية وغلق أبوابها، إلا برخص تسلمها مصالحها، يتعسر بل يكاد يستحيل الحصول عليها. فكانوا يراقبون ويلاحقون ويغلقون ويغرمون ويسجنون ويعذبون.
لذا كانت هذه المدارس بادئ أمرها تنشط في جو مفعم بالتحديات، يحفها الكثير من الحذر والمخاطر والمضايقات من الحكام العسكريين ومن أذنابهم من
(1) بكلي: مسيرة إصلاح، ص 164 173 دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 26. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 100.