معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٤١المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
509
القياد ومعاونيهم، فاضطر القائمون عليها لاستعمال أساليب المراوغات والحيل للتمويه على نشاطهم وللحفاظ على مدارسهم.
تارة كانت توهم الحكام العسكريين بأن مدارسها مجرد كتاتيب قرآنية تقليدية كانت موجودة من ذي قبل، وتارة تفتحها بجوار المسجد لصيقة به؛ حتى تكون محسوبة على مرافقه و على نشاطه فتحفظ من المتابعة وتنجو من المراقبة. وتارة كانت تلجأ إلى مراقبة تحركات الحكام العسكريين وأعينهم، وبمجرد سماعها بزيارتهم للبلدة أو اقترابهم لناحية مدرستها فإنها تعلن في التلاميذ تعطل الدراسة، وتأمرهم بالبقاء في البيوت وعدم التجمع أمام المدرسة حتى تنتهي هذه الزيارة ويغادر الحاكم وأعينه البلدة أو المكان (1).
إن هذه الأوضاع التي تحركت فيها عجلة النهضة الإصلاحية بين جبهتين معارضتين داخلية وخارجية ليكشف عن مدى التضحيات وعن مدى الصبر والأناة الذي لاقاه هؤلاء الرجال وتحملوه في سبيل القيام بهذه المهمة النبيلة وأداء
هذه الأمانة الثقيلة.
كانت هذه المتابعات والمضايقات من الحكام العسكريين سببا ودافعا قويا لتسعى الحركة الإصلاحية لتأسيس جمعياتها الخيرية الراعية لهذا التعليم والقائمة على هذه المدارس، من خلال مطالبة السلطات الاستعمارية باعتمادها بصفة قانونية، حتى تسمح لها بالنشاط الخيري الاجتماعي الثقافي بطرق شفافة علنية في إطار القانون وضوابطه وحمايته.
لأجل الحصول على ترخيص اعتماد هذه الجمعيات عاش رجال الإصلاح ألوانا أخرى من العراقيل والمماطلات، وشهدوا فصولا من التضحيات والأتعاب على المستوى المحلي والوطني وحتى على مستوى الإدارة المركزية بباريس. حتى
تمكنوا من بغيتهم وحموا مدارسهم وأداروها في أجواء أكثر أمانا واستقرارا (2).
(1) بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 421 422. (2) المرجع نفسه: ص 421 422 بكلي: مسيرة إصلاح، ص 170 - 177.