معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٤٩المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
517
رد أي واحد منهم بسبب من الأسباب، ويبقى مرافقا للجنة التسجيل الفرنسية حتى تنهي عملها ويتأكد من إلحاق كل أبنائه التلاميذ (1).
في حقيقة الأمر كان هذا الموقف الجريء وهذا التغير الجذري على ما هو سائد والثورة عليه، يشكل حرجا كبيرا للحركة الإصلاحية وعلى رأسها الشيخ بيوض، وكان اختبارا عسيرا لقياس شعبيته ومدى استعداد الناس للمضي مع أفكاره الثورية ومواقفه التجديدية التي تحدث هزات اجتماعية عنيفة وارتدادات فكرية شديدة، إذ يبدو أن تيار المحافظة والجمود استغرب هذا التحدي، وهذه الرغبة القوية الجامحة في المغايرة والاختلاف التي وصل إليها تيار الإصلاح وعلى رأسه زعيمه الشيخ بيوض، هذا ما جعله يفقد أعصابه ويثور هو الآخر ثورة عارمة على الموقف، ويعلنها حربا هائجة على هذا التوجه المفاجئ، وعلى هذه الأفكار المنحرفة الخطيرة التي اعتبرها مروفا من الدين ورقة فيه، ودفعا بأجيال الأمة إلى حافة الهلاك، بإلقائهم في أيدي الكفرة والمشركين ليصوغوهم وفق أهوائهم وحسب ملتهم وعقيدتهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة (2).
هذا
إلا أن الشيخ بيوض بشخصيته القوية المتحدية المعهودة، ويثقته بنفسه وبإيمانه بموقفه الذي أقدم عليه فإنه لم يأبه بهم البتة، ولم يحرك لهم ساكنا ولم يتأخر خطوة، ولم يتردد قيد أنملة، إذ يبدو أنه كان ينتظر منهم هذه الرجة العنيفة ويتوقع هذه الهجمة المضادة فواصل طريقه في حشد الدعم للتعليم الفرنسي، وإقناع الناس بجدواه وفوائده، ولم ينتظر من تيار الجمود أن يوافقه أو يأخذ منه الضوء الأخضر. إذ إن الشيخ بيوض هنا وازن بين المفاسد والمصالح، ورأى أن مصالح هذا التعليم أكثر بكثير من مفاسده، وأن المفاسد المحتملة منه يمكن تلافيها ومعالجتها عن طريق دعم التعليم العربي القرآني في المدارس الحرة التي سار فيها خطوات جبارة وأصبحت معلما حضاريا بارزا قائما بذاته تعهد إليه مهمة غرس قيم الإسلام
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 5، ص 36 (2) دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 43. سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 118.