معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٥مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
23
كان سبب قيام الحكم العثماني التركي في البلاد الجزائرية هو رد هجمات الإسبان وغاراتهم على السواحل الجزائرية خلال القرن السادس عشر، وقد تمكنت فعلا قوى الأسطول العثماني من قهر هذا العدو وصد هذا العدوان، فكان ذلك مدعاة لبقاء القوات العثمانية في الجزائر تحرس سواحلها، ثم بعد ذلك ضمت إلى نفوذها، وأصبحت محمية عثمانية؛ يتولى الباب العالي في الأستانة تعيين حكامها من الأتراك (1)
تفهم الجزائريون إلى حد بعيد هذا الدور العثماني في بلادهم وتقبلوا هذا الوضع وحفظوا هذا الفضل، وتعاونوا مع الأتراك المنتمين لدينهم وحضارتهم والممثلين للخلافة الإسلامية على تأسيس أركان دولتهم، وتركوا لهم المناصب العليا والمراكز الحساسة في أجهزة الحكم، ولم ينافسوهم فيها.
عاشت الجزائر في ظل الحكم العثماني حياة يمكن وصفها – عموما - بالاستقرار الداخلي وبالتعايش والتوافق بين قبائلها وأهاليها، رغم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية والمتخلفة - عموما - وقد حصل الانصهار والتزاوج بين -
العائلات التركية والجزائرية واندمج الكثير من الأتراك ضمن المجتمع الجزائري عندما شهدت الإمبراطورية العثمانية في الأستانة مرحلة ضعفها مع نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر انساب ذلك الضعف على ذيولها في أطراف دولتها في المغرب والمشرق، ولم تستطع أن تدفع الخطر عنها، ولا أن تمد مناطق نفوذها البعيدة بقوة السلاح والعتاد والجيوش، مما جعل الفرنسيين يكشرون
(1) أحمد توفيق المدني: حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، 1492 - 1792 م، ط 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976 م، ص 155 - 177 عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ط 4، دار الثقافة، بيروت، 1400 هـ/ 1980 م، ج 3، ص 7 - 50. (2) أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1998 م، ج 1، ص 139 - 225 ناصر الدين سعيدوني مقال بعنوان: مسألة السيادة الجزائرية في العهد العثماني، محاولة لتقييم العهد العثماني للجزائر، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م، ص 163 - 194.