معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٥٧

مدخل المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية

25

فعلا نجحت هذه السياسة، وتحكمت هذه الطبقة في كل مراكز القوة، فامتلكت وسائل الإنتاج والأراضي الزراعية ومناصب الإدارة والحكم. في مقابل ذلك حرمت الجزائريين من كل الحقوق، فطردتهم من أراضيهم واستولت عليها، وحرمتهم من الوظيف ومن العمل ومن ظروف الحياة الكريمة، وعملت على إذلالهم واستعبادهم. كما حرص الاستعمار على خنق أي صوت ينادي بالحقوق الجزائرية، فأصدر سنة 1263 هـ/ 1847 م قانون الأهالي (CODE DES INDIGENES) ، الذي ينص على منع الجزائريين من مزاولة حرياتهم العامة؛ كتشكيل أحزاب أو جمعيات أو نقابات أو القيام بمظاهرات، أو تنظيم اجتماعات أو المطالبة بحقوق (1). أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فإن طبقة المعمرين المكونة من الفرنسيين والإسبان والمالطيين والسويسريين، الذين تجمعهم اللغة الفرنسية والثقافة الأوربية شكلوا فيما بينهم مجتمعا منغلقا على نفسه حقودا متعصبا برجوازيا إقطاعيا يمتلك كل ظروف الحياة ووسائل العمل، وفي المقابل يسعى لحرمان الأهالي الجزائريين من كل شيء، فعمل على إذلاله واستعباده في الحقول والمزارع والإدارات، وجعل منه "خماسا“ خادما ضعيفا فقيرا مذلولا (2).

وعلى المستوى الديني والثقافي فإن سياسة الاستعمار المقيتة أدركت أن قوة الشعب الجزائري تكمن في دينه وقيمه وشخصيته العربية الإسلامية المتميزة، وفي العلاقات الاجتماعية المتماسكة المترابطة، فعملت منذ لحظة نزولها بأرض الجزائر على كسر قوائم هذه الشخصية وطمس معالمها وتشويه صورتها وتمزيق شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفرادها بواسطة غلق المدارس والمعاهد العربية الإسلامية، ومحاربة اللغة العربية وتحويل المساجد إلى كنائس، ومضايقة نشاطها، ومنعها من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصح المجتمع

(1) سعيدوني: مقال بعنوان: التوجه المعادي للعروبة والإسلام في السياسة الفرنسية في الحزائر، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، ص 69 - 97

(2) تركي: المرجع السابق، ص 19 - 33.