معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٥٩٥

المبحث الرابع: تعليم المرأة

563

إلا أن الشيخ القائد الزعيم أدرك بعبقريته وحنكته في قيادة المجتمع، وينظرته الثاقبة البعيدة المستقبلية أن المجتمع من حوله قد تغير وأنه لا يوافقه في نظرته هذه ولا يمكن أن يسايره فيها، وأن حركته الإصلاحية الاجتماعية التعليمية قد غيرت الكثير من الرؤى وبدلت الكثير من التوجهات في الأجيال الصاعدة من تلاميذه المثقفين المتخرجين من المدارس والمعاهد والجامعات. مما غير معه بالتبع موقف المجتمع من المرأة ومن موضوع تعلمها، فلم يرد الشيخ أن يقف ضد التيار ويعاكسه كما لم يرد أن يعارض رفقاء دربه وطلبته وتلاميذه ويدخل معهم في مزايدات كلامية أو خلافات لا طائل من ورائها، إذ أصبح الكثير منهم متحمسا لذلك في كل قرى وادي ميزاب

لم يرد الشيخ أن يفرض رأيا دكتاتوريا على تلاميذه، وهاهنا تظهر حكمة القائد وحنكته، ويظهر وجه آخر خفي من شخصية الشيخ بيوض المتمثل في عدم الانفراد بالرأي، وفي النزول عند رأي الأغلبية المخالفة له، وهو الزعيم المفدى والقائد المطاع داخل صفوف حركته.

ترك الشيخ القائد الأمور تأخذ مجراها الطبيعي دون أن يؤثر فيها إيجابا أو سلبا، ويبدو أنه كان يراقبها عن كثب. وربما يعمل على توجيهها دون أن يتدخل تدخلا مباشرا فيها.

لهذا يلاحظ أن بلدة القرارة معقل الإصلاح الأول ومحور نشاطه ومصنع أفكاره ومولد طاقته كانت في هذه القضية متأخرة نوعا ما عن وادي ميزاب ولم تكن السباقة إليها كالعادة، إذ أن أول من تبنى فيها فكرة تعليم البنت خلال الأربعينيات بصفة فردية هو الشيخ عدون شريفي العضد الأيمن للشيخ بيوض، ثم تحول إلى مشروع تبناه المجتمع خلال الخمسينيات.

دعا الشيخ عدون إلى إلحاق البنات بالتعليم العربي القرآني، وفتح أقسام لها، رغم معرفته بمعارضة الشيخ بيوض له، وعدم موافقته على ذلك. إلا أن الأريحية التي تجمع الشيخين القائدين وعلاقات الصفاء والمودة والإخلاص والثقة المتبادلة