معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٦٠٠

568

الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي

ينفعون بها أنفسهم، ويعودون إلى بلدانهم ليرفعوا عن أهلهم الجهل والأمية ويأخذوا

(1)

بيدهم في سبيل النهضة والإصلاح التي لا تتحقق إلا بشرط العلم والمعرفة. كانت البلاد التونسية خلال هذه الفترة هي الحاضرة العلمية الأقرب للجزائريين والمغاربة عموما، وكانت تحيى انتعاشا علميا ونهضة ثقافية وحركية اجتماعية وسياسية معتبرة مكنتها أن تصبح كعبة العلم والثقافة في المغرب الإسلامي يقصدها الطلبة من كل النواحي من جهة أخرى فإن الأوضاع الاستعمارية في الجزائر عملت على خنق أي حركة تجديدية تطويرية للتعليم، وأبقته في صورته التقليدية البسيطة المحصورة في الكتاتيب وفي دور العلم لبعض المشايخ، وحرمت الشرائح الواسعة من الجزائريين من الالتحاق بالمستويات العليا في ثانوياتها ومعاهدها وجامعاتها (2). كانت هذه الأوضاع التعليمية هي الدوافع الرئيسة وراء التفكير الجدي في إنشاء البعثات الطلابية خارج الجزائر.

يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي موضحا الدوافع وراء قيام البعثات ما يلي: .... فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة، والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق ويجابه الحياة عن دراية وخبرة ويستغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس (3). ويقول الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «ونحن إنما أسسنا البعثة تحت تأثير و دوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي

(1) يراجع في ذلك مثلا كتاب: محمد الفاضل بن عاشور الحركة الأدبية والفكرية في تونس، كله. (2) تركي: التعليم القومي، ص 122 - 196.

(3) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90