معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٦٦34
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
لكن من جهة أخرى فإن الدولة لم تف بالتزاماتها الأخرى التي تضمنتها المعاهدة بحفاظها على أمن الطرقات في المسافات الطويلة الوعرة التي كانت تربط الشمال بالجنوب، إذ تروي لنا المصادر التاريخية حقائق غريبة من حركات قطاع الطرق واستيلائهم على ممتلكات المسافرين الراجعين إلى أوطانهم في الصحاري بعد سنوات قضوها في مدن الشمال لأجل العمل والكسب. وكذا الفتن والصراعات بين القبائل المتجاورة في المدن الداخلية والقرى الصحراوية.
نجد الشيخ عبد الرحمن بكلي يلوم السلطة العثمانية على تقصيرها في واجب حفظ الأمن في المدن والطرق الداخلية قائلا: «لم تعر إلى هذا الناحية أدنى التفاتة، بل ألقت الحبل على الغارب وتركتهم عرضة للنهب والسلب والترويع فلا يخرجون من بلادهم أو إليها إلا في قوافل مسلحين استعدادا للطوارئ، وتحت حماية بعض أبطال ذلك الزمن منهم الذين يستأجرونهم لذلك مخافة أن يذهبوا هم وأموالهم وأولادهم ضحية، فكم من جماعة سافرت إلى وطنها بعد أن أمضت سنين في الجمع والاكتساب تخرج عليهم جماعة مجرمة من قطاع الطرق فتجردهم من كل ما ملكت أيديهم، وتتركهم عراة صفر الأكف» (1).
إلا أنه حاول أن يجد مبررا سياسيا معقولا لهذا التقصير باشتغال الدولة بمصارعة قراصنة البحر من الإسبان وتجميع قواتها العسكرية لرد العدوان الخارجي
(2)
القادم من البحر والعناية بحماية الحدود الخارجية على حساب نفوذها الداخلي 2 - في سنة 924 هـ/ 1518 م شارك إباضية الجزائر في رد حملات الإسبان على السواحل الجزائرية، حيث استشهد الكثير منهم في معركة حسين داي المشهورة بمعركة " كدية الصابون. ولا تزال مقبرتهم موجودة في ناحية المقرية بالقرب من حسين داي بالجزائر العاصمة (3). حي
(1) عبد الرحمن بكلي: رسالة منشورة ضمن كتاب علي معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 355.
(2) بكلي: رسالة منشورة ضمن كتاب معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 360. (3) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 203 - 208. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 63 - 64.