معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٧٢40
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
فريقين؛ فريق أول رأى إلى المقاصد ووازن بين المصالح والمفاسد فجنح إلى رأي المصالحة، والسلم وفريق ثان بقي ثابتا على صرامة موقف الدين والعقيدة وصراحته في التعامل مع المحتل الأجنبي الكافر المغتصب للأرض والوطن، فرأى ضرورة إعلان
الجهاد والمقاومة والثورة مهما كانت الإمكانات ومهما ستؤول إليه العواقب. يبدو أن الفريقين تجاذبا أطراف المجتمع وحاولا استمالته إليهم، إلا أن الأمر في الأخير رجح إلى فريق السلم ومراعاة المصلحة، فكان الأقوى والأكثر نفوذا؛ وقد تمثل في أعيان وادي ميزاب ورؤساء عشائرها. بينما مثل الفريق الثاني بعض عزابة وادي ميزاب وبعض علمائه وطلبته، وعلى رأسهم قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (1).
بعد الفصل في هذا الجدل والنقاش الديني السياسي تقدم فريق من أعيان وادي ميزاب شمل ممثلين من قصوره السبعة إلى السلطة الاستعمارية بالأغواط فقابلوا الكومندان دوباراي u Barail وأبرموا معه معاهدة الحماية باسم الوالي) العام على الجزائر الجنرال الكسوندر راندون Alexandre Randon) في تاريخ: 21 رجب 1269 هـ/ 29 أفريل 1853 1853 م.
(1) إبراهيم طلاي ميزاب بلد كفاح دار، البعث قسنطينة 1390 هـ/ 1971 م. ص 46 - 47. النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 320 - 321. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 98 - 99. بكير أعوشت: قطب الأيمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته وآثاره الفكرية وجهاده، المطبعة العربية، غرداية، 1989 م، ص 95 - 96.
إن الشيخ امحمد اطفيش أنكر على معارضيه دعاة المعاهدة والمصالحة مع فرنسا وشنع بعملهم في منابر المساجد ثم أعلن البراءة الشرعية منهم على رؤوس الملأ. وقد أقبل عليه أولئك الأعيان والوجهاء يطلبون منه الصفح ويلتمسون منه العذر ويعلنون توبتهم، بعد أن شرحوا له موقفهم والدواعي التي ألحت عليهم الإقدام على هذا العمل.
إن معارضته الشديدة للمعاهدة ونصرته لخط المقاومة تركت مقولة تروى عنه سجلتها كتب التاريخ يقول فيها: إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من الميزابيين أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من تيضفت"، وهو مكان معلوم في بلدته بني يزقن. النوري: المرجع نفسه، ج 1، ص 320 - 321.