معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٧٤

42

الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية

وفي الفترة نفسها خرقت فرنسا بنود المعاهدة فتدخلت في شؤون وادي ميزاب بتعيين اليهودي آغا يتح العامل في المخابرات الفرنسية في الأغواط ليتولى شؤون الحكم بوادي ميزاب اغتاظ القوم لهذا العمل المنافي للمعاهدة وامتنعوا بالإجماع عن قبوله واعتبروا ذلك إهانة لهم ومساسا بشرفهم وكرامتهم، وأدى ذلك إلى اغتيالهم له في سنة 1276 هـ/ 1860 م بعد مدة قصيرة من تعيينه. وقد تسبب هذا العمل في انزعاج السلطات الفرنسية فصبت جام غضبها على الميزابيين وأمرت بتغريمهم بمبلغ أربعين ألف فرنك وأرسلت من القبائل الموالية لها من نهب وسلب وخرب حقول وادي ميزاب (1).

استمر إباضية الجزائر في علاقتهم مع فرنسا بناء على هذه المعاهدة التي شرعت الحماية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لوادي ميزاب إلى سنة 1300 هـ / 1882 م. إذ بادرت فرنسا بنقضها ودخلت بقواتها العسكرية إلى وادي ميزاب والحقته بأراضيها الاستعمارية؛ مبررة ذلك بما كان يقوم به أهالي وادي ميزاب من مساندة للثوار الجزائريين وتمويلهم بالأسلحة والذخيرة والأمتعة والمؤن واعتبرت ذلك خرقا منهم لبنود المعاهدة (2).

ب - تقويم موقف المعاهدة وقبول الحماية

رغم ما يظهر للعيان من الحنكة السياسية التي برز بها أعيان إباضية الجزائر في تعاملهم مع المستعمر ورد عدوانه، بتمكنهم من افتكاك الحماية منه وحفظ واديهم وربوعهم من مخاطر مداهمة الاستعمار له، رغم مقاتلتهم للفرنسيين في سواحل الجزائر العاصمة وعلى أسوار قسنطينة ومساعدتهم للمقاومات الشعبية، إلا أن قراءة المعاهدة من زاوية أخرى يكشف لنا عن خفايا المجتمع الإباضي في تلك الحقبة الزمنية التي يمكن أن يفهم منها ما يلي:

(1) المرجع نفسه: ج 1، ص 277 - 279. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 99 - 101.

(2) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 308.