معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٧٥المبحث الأول: الأوضاع السياسية
43
إن إباضية الجزائر قد قويت فيه سلطة الأعيان ورؤساء العشائر على حساب المجالس الدينية المتمثلة في هيئات العزابة ومجلس عمي سعيد، كما قويت على سلطة
العلماء.
دلتنا المصادر على أن بعض العلماء وبعض العزابة والطلبة لم يرضوا بإبرام الفرنسيين المشركين المغتصبين للبلاد، كما رأوا أن إعلان الجهاد مع
المعاهدة
والمقاومة هو الموقف الصحيح والشرعي الذي ينبغي أن يتخذ.
هكذا تظهر جماعات الأعيان أقوى من الهيئات الدينية في تسيير الشؤون السياسية لوادي ميزاب فظهرت هذه الأخيرة مغلوبة على أمرها في اتخاذ المواقف الخطيرة الحرجة.
في هذا الشأن يصف الشيخ إبراهيم طلاي (1) حال الهيئات الدينية آنذاك قائلا: تمر فترات يضعف فيها نفوذ السلطة الروحية، التي للعزابة بسبب ما، کتمرد رئيس قبيلة أعجبته كثرة أتباعه أو تعوز هيئة العزابة الشخصية والحنكة، أو تقع فتن بين المواطنين، فيتعقد المشكل ويخرج عن نطاق العزابة، عند ذلك ينفلت الزمام من يد العزابة، وينتقل إلى رؤساء القبائل ومقدميها … وكمثال لما ذكرناه الاتفاق الذي أمضي مع الفرنسيين بالأغواط … فقد كانت الهيئات الدينية غائبة عنه، تحرجا من إمضاء معاهدة مع المشركين، وفعلا فقد أمضى هذا الاتفاق رغما عنهم وفرض عليهم من طرف الهيئات المدنية فرضا» (2).
كما أن اعتراض العالم الإباضي الشيخ امحمد اطفيش على موقف المعاهدة لم يؤبه به رغم ثقل وزنه العلمي والديني والاجتماعي في وادي ميزاب؛ يدل على مدى سيطرة جماعة الأعيان على دواليب الحكم وانفلات الأمور من الهيئات الدينية والعلمية.
(1) (على قيد الحياة) أستاذ العلوم الشرعية بمعهد عمي سعيد بغرداية.
(2) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 49.