معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٧٦44
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
من جهة أخرى نستطيع أن نقرأ في عدم تلاقي وجهات نظر المجالس العرفية لوادي ميزاب وتعارضها في هذه القضية الخطيرة يدل على حالة ضعف أخرى تحسب على إباضية الجزائر في تجاذب مسائل الحكم والسياسة بين الهيئة الشرعية والهيئة السياسية. وكان من الأولى أن تكون العلاقة بينهما علاقة تشاور وإقناع وحوار ينتهي إلى موقف مشترك وعمل برأي الأغلبية وإنصات لرأي العلماء والشرع.
وإن كان من جانب آخر نقرأ في هذا الاختلاف الحاصل نوعا من الديمقراطية وحرية الرأي والتعددية داخل المجتمع الإباضي في هذه الفترة من الزمن، وهي نقطة إيجابية وعلامة صحية تحسب لهم.
كما تطرح هنا مسألة تداخل صلاحيات هذه الهيئات وعدم ضبط وظائفها وحدودها، أو عدم احترامها والوقوف عندها إن كانت مضبوطة، ومدى توافق كل ذلك مع المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية.
كرأي خاص في المسألة أرى أن إباضية الجزائر وفقوا سياسيا في إبرام معاهدة الحماية مع الفرنسيين بناء على فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد وتغليب منطق السلم على منطق الحرب، التي قد تجيزه السياسة الشرعية في مثل هذه الحال؛ فحفظوا بذلك واديهم من ويلات الاحتلال، وأظهروا دهاءهم السياسي، لكنهم من جهة أخرى تساهلوا إلى حد ما في التعامل مع بوجوب مقاومته وإخراجه من الأرض أو الاستشهاد دون ذلك؛ دفاعا عن الدين والوطن والعرض.
إن هذا الرأي هو ما كان عليه الشيخ اطفيش، وربما مشايخ آخرون.
المستعمر،
نخلص في الأخير أن إبرام معاهدة الحماية مع الاحتلال الفرنسي كانت صورة لنفوذ جماعات الأعيان وقوتها في تسيير دواليب الحكم بوادي ميزاب في هذه الفترة على الأقل، على حساب الهيئات الدينية وطبقة العلماء.