معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٧٧

المبحث الأول: الأوضاع السياسية

45

من الغريب كذلك أن مؤرخي الإباضية في عرضهم لهذه الأحداث التاريخية وتحليلهم لها أغفلوا دراستها من الزاوية الشرعية وربطها بأصول الإسلام وقواعد السياسة الشرعية، فوجدناهم يشيدون بهذه الحنكة والمراوغات السياسية التي استطاع بها إباضية الجزائر إقناع فرنسا بإبرام معاهدة الحماية رغم مشاركاتهم في المقاومات ضدها.

نجد مثلا الأستاذ محمد علي دبوز) يكتب فصلا بعنوان: حصول الميزابيين بالدهاء على معاهدة ضمنت لهم بقاء نظامهم الاجتماعي. ممما جاء فيه: «فعلم الميزابيون أن الصحراء العارية الجرداء ليست كجبال الشمال يستطيعون فيها حرب العصابات … وأيقنوا أنه سيفتك بمدنهم مثل ما فعل بالأغواط وكل الأماكن التي قاتلته، وهتك الحرمات، وقضي على نظامهم الاجتماعي … إن القتال لا يجدي وهو تعريض للدين والنفس للهلاك، فلا بد من أسلوب آخر لمدافعة الفرنسيين كي لا يحتلوا ديارهم … واتفقوا على سلوك الطرق الدبلوماسية في رد الفرنسيين عنهم …

فعقدوا معه في يوم 21 رجب 1269 هـ/ 29 أفريل 1853 م معاهدة حماية» (2). كما نجد الشيخ إبراهيم طلاي يشرح هذا الموقف بقوله: «وربما السنون التي عاشها التجار الميزابيون إبان الاحتلال في مدن الشمال ومشاركتهم في الدفاع عنها أبنائها، والأسلوب التخريبي الذي شاهدوه والقتل الجماعي الذي استعمله الفرنسيون بكل ناحية تقع تحت أيديهم كل هذه العوامل أكسبتهم مرونة سياسية،

(1) محمد بن علي دبوز (و: 1337 هـ / 1919 م - ت: 16 محرم 1402 هـ / 13 نوفمبر 1981 م) تلقي تعليمه في مسقط رأسه بلدة بريان ثم في معهد الحياة بالقرارة على يد الشيخ بيوض والشيخ عدون، واصل دراسته في جامع الزيتونة بتونس، وفي جامعة القاهرة، تخصص في التاريخ والأدب وعلم النفس، عاد سنة 1948 م إلى وادي ميزاب والتحق بمعهد الحياة أستاذا، وقام بدور كبير في تطوير برامجه. اهتم بالتأليف والكتابة، فأنجز أعمالا كبيرة هي: تاريخ المغرب الكبير في ثلاثة أجزاء نهضة الجزائر الحديثة في ثلاثة أجزاء، أعلام الإصلاح في الجزائر في خمسة أجزاء. وهو بذلك يعد مؤرخ الحركة الإصلاحية في وادي

ميزاب. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 812.

(2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 245.