معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٨١المبحث الأول: الأوضاع السياسية
49
الدهاء والحنكة والتبصر والمراوغات السياسية ومراعاة المصلحة المفوتة للفتنة
والمجابهة، التي قد تؤدي إلى خراب البلاد والعباد.
إن إباضية الجزائر في موقفهم هذا من الاستعمار قد أفلحوا سياسيا في حفظ واديهم من التخريب وحفظ مذهبهم وأعرافهم من الضياع والتشتيت؛ إلا أنهم تراخوا في إبداء نوع من المقاومة المسلحة للمحتل الكافر المغتصب للأرض والوطن.
هـ حالة الحكم في وادي ميزاب بعد الإلحاق:
أشارت بعض المصادر إلى أن السلطة الاستعمارية لم تقصد بقرار الإلحاق وإنزال قواتها في وادي ميزاب نقض كل بنود معاهدة الحماية، بل حاولت المحافظة على روحها مع وضع العين واليد على تحركات الميزابيين المشبوهة ضدها بمشاركاتهم في الثورات ومساعداتهم لها بالأسلحة والعتاد. فعلى إثر التحركات السياسية والدبلوماسية التي خاضها الميزابيون للتنديد بوثيقة الإلحاق رد عليهم الوالي العام للجزائر لويس تريمان (Louis Tirman) أن فرنسا ستذكر دائما المعاهدة المنعقدة معهم عام 1269 هـ/ 1853 م).
هذا لا بد من التأكيد على أن الحكم في وادي ميزاب تغير بعد هذا القرار؛
(2)
إذ أخضعته السلطات الفرنسية إلى حكم ما يعرف بـ: "القياد» التابعين بدورهم لحاكم عسكري محلي على مستوى غرداية ثم على مستوى الأغواط، حيث عينت في كل بلدة من يتولى رعاية مصالحها وتنفيذ سياستها ومراقبة حركات الأهالي وسكناتهم، وبذلك تقلصت مهام الهيئات الدينية والعرفية في تسيير شؤون المجتمع، وانتزع منها الكثير مما كان لها في مجال الحكم والقضاء.
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 583. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 114 - 115.
(2) القياد كلمة عربية غير، فصيحة مفردها، قائد وجمعها قواد وقادة، إلا أنها عرفت في الثقافة الشعبية وشاع استعمالها بلفظ قياد. وارتأيت أن أعتمدها في البحث كما عرفت وشاعت لتكون أكثر دلالة على المعنى، وقد وضعتها بين إشالتين صغيرتين.