معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٨٣المبحث الأول: الأوضاع السياسية
51
القائد
نستطيع أن نقول إن الحكم في وادي ميزاب بعد قرار الإلحاق وإحداث نظام القياد وتعيين حاكم عسكري محلي وقع حوله تجاذب وشد للحبل بين السلطة العسكرية الممثلة في الحاكم والقائد وحاشيته من جهة وبين هيئات العزابة وأعيان البلد من جهة أخرى، حيث قلصت الكثير من صلاحياتها وأصبحت بيد كما أصبحت تحركاتها محسوبة ومراقبة من السلطات الاستعمارية القريبة منها. وفتحت المجال للعمل السياسي السري وعمل الكواليس كما فتحت باب الوشايات على مصراعيه، وأثيرت الفتن التي كانت تنتهي عادة بالتعدي على الحرمات والأموال، وبسفك الدماء أحيانا. لكن كثيرا ما كان القائد المعين ممن ترضى عليه هذه الهيئات العرفية، فيتوافق معها ويتعاون وبذلك تبقى متحكمة في زمام الأمور من وراء حجاب، يرجع إليها القول الفصل في نهاية المطاف.
و مشاركة إباضية الجزائر في الثورات الشعبية ينبغي الإشارة إلى أن ما تميز به إباضية الجزائر في مشاركاتهم في الثورات الشعبية التي شهدتها الجزائر بعد الاحتلال إنما كان بدافع الإيمان بالقضية العادلة التي ثارت من أجلها القبائل، وبدافع الإيمان بأن الحرب حرب عقدية جهادية ضد المستعمر الكافر المغتصب للأرض، بحيث أن المشاركات الفردية أو الجماعية كانت تلقائية نابعة من القناعات الذاتية. إذ لم تطلعنا المصادر على أن القيادات الروحية لإباضية الجزائر شنت حملات توعية وتحسيس للسكان بضرورة المشاركة في هذه الثورات، كما لم تطلعنا عن تجميع هذه القيادات للشباب والمتطوعين بقصد
سكان القرارة وتظاهروا وأغلقوا المسجد، احتجاجا، فأرغموا السلطات الفرنسية على إطلاق سراح المشايخ بعد ثلاثة أشهر من اعتقالهم.
مما قام به القائد نفسه من مفاسد أنه أقدم على فتح دار واسعة للبغاء في بلدة القرارة أثارت بلبلة وسخطا بين الأهالي والعزابة والأعيان فشكلوا وفدا اتجه إلى الجزائر العاصمة ليقوم بمساعي لدى الإدارة المركزية الفرنسية يشتكي من هذا القائد وأعماله. وقد أثمرت هذه المساعي بإصدار الإدارة المركزية قرارها بغلق الدار، فسارع أعيان البلد إلى شرائها وهدمها لتكون عبرة لمن يعتبر، وكان ذلك سنة 1326 هـ/ 1908 م. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 195.