معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٨٤52
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
إرسالهم إلى إحدى هذه الثورات. كما حدث ذلك في عهد الأتراك في الدفاع عن العاصمة وقسنطينة، إلا ما يمكن أن يكون دعوة سرية غير علنية من أحد العلماء أو العزابة في حث الشباب على الجهاد في صفوف هذه المقاومة أو تلك ومباركتها، وهو غير مستبعد.
يستثنى من ذلك ما سجله قطب الأئمة الشيخ اطفيش صراحة عند احتلال الجزائر ووصول الفرنسيين إلى مشارف وادي ميزاب، بدعوته العلنية لمقاتلة المستعمر ورفضه أي مفاوضة معه بمنطلق إيماني - شرعي مرت الإشارة إليه سابقا - وكان يقول: «إن تشييع ثمانين جنازة يوميا أفضل من أن يصل أسماعي أن الفرنسيين وضعوا أقدامهم على شبر من وادي ميزاب» (1). في هذا الصدد يقول الشيخ إبراهيم القرادي) فمن أمانة التاريخ أن نذكر مشاركتهم في المقاومة في مختلف نواحي الجزائر، ولكننا لا نعني بكلمة الميزابيين كل الميزابيين أو أغلبهم، فنحن إلى حد الآن لا نملك مصادر تثبت اتفاقهم كلهم على دعم المقاومة، وإن كانوا في مجموعهم مندفعين من منطلقهم الديني في معركة الكفر والإيمان، ولذلك نجدهم شاركوا أفرادا وجماعات في أغلب المقاومات والانتفاضات» (2).
ولعل طابع المجتمع الجزائري آنذاك المعتمد أساسا في حكمه على نظام القبيلة والولاء لها، وأن لكل منها جهاز دفاع تتولى الذود به عن حماها وأراضيها، معتمدة على شبابها ورجالها بالدرجة الأولى، كان وراء هذا الوضع.
من جهة أخرى فإن بنود معاهدة الحماية التي وقعها أعيان إباضية الجزائر مع السلطة الفرنسية ستكون رادعة لهم من أي دعوة علنية لمناصرة هذه الثورات أو مساندتها بالخطاب المسجدي أو عن طريق الهيئات الدينية والعرفية التي لها كلمتها في صفوف الأهالي، فإن كان هنالك شيء من ذلك فسيكون سريا وفرديا لكي لا
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 320 - 321
(2) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 180.