معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٩١المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
59
لكن ما يمكن أن يخلص إليه هو أن في بلاد ميزاب خليطا من القبائل البربرية والعربية قدمت وعمرت وادي ميزاب في فترات متلاحقة عبر التاريخ امتزجت فيما بينها مشكلة ما يسمى بالمجتمع الميزابي، وقد أسهم جميعها في بناء الوادي وعمارته وتشييد هذه الحضارة التي زاد عمرها عن ألف سنة. يقول الأستاذ حمو عيسى النوري: «بنو ميزاب أعراش توافدوا إلى وادي ميزاب من أقاصي البلاد فيهم البربر والعرب الأقحاح بعد انقراض الإمامة الرستمية وخراب سدراته فكونوا في الوادي وحدة قومية ووحدة مذهبية ووحدة لغوية، فأصبحوا بحكم التجاور والمصاهرة والمعتقد أمة متماسكة» (1).
هذا الرأي يفند الرواية التي تعتبر أن الميزابيين نزحوا من تيهرت إثر سقوطها إلى سدراتة ثم إلى وارجلان ثم إلى وادي ميزاب على شكل هجرات جماعية يتركون فيها وطنهم الأول للاستقرار في الوطن الجديد، كما يفند الرواية التي تعتبر أن الميزابيين الموجودين الآن هم أمازيغ خلص لم يحصل لهم أي اختلاط بأجناس أخرى خاصة العرب منهم. كما ينبغي الإشارة أن وادي ميزاب استقبل في فترات لاحقة مجموعة من القبائل العربية التي لم تمتزج بالميزابيين وبقيت مجاورة لهم إلى حد اليوم، منها قبيلة بني مرزوق وقبيلة المذابيح، وقبيلة الشرفة وقبيلة الشعانبة وقبيلة. العطاطشة وقبيلة المخادمة.
أغلب هذه القبائل أو الأعراش كانوا بدوا رحلا ينتقلون بخيامهم وأمتعتهم وماشيتهم بين الهضاب العليا بالشمال وأطراف الصحراء بالجنوب سعيا وراء الماء والكلإ طوال فصول السنة، كما كانوا يقصدون وادي ميزاب لأجل التبادل التجاري في أسواقه، ببيع منتوجاتهم الحيوانية من لحوم ودسوم وسمن ولبن وجلود وأغنام وإبل، والتزود بمنتوجات وادي ميزاب من المواد الغذائية الأخرى والأفرشة والأقمشة والآلات الحديدية والخشبية، ثم مع مرور الزمن بدأ استيطانهم
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 128.