معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٩٩المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
67
بهذا التكافل الاجتماعي والتعاون والتآزر وبفضل هذه الهياكل العرفية استطاع أهالي وادي ميزاب أن يبنوا وطنهم الصغير ويصبروا على قساوة العيش فيه، ويصمدوا أمام شح الموارد ويكتسبرا أعرافا اقتصادية واجتماعية حازمة ومتينة مكنتهم من البقاء والتصدي لكل التيارات الجارفة، كما مكنتهم من تعمير واديهم وتشييده لبنة لبنة (1).
7 - حالة الأمن بوادي ميزاب
بلا شك أن لاستقرار الشعوب والأمم وأمنها دورا مهما في تطورها ورخائها وازدهار حضارتها، كما أن لحالة الفتن والحروب أثرها المباشر في بقائها متخلفة وسببا في خراب عمرانها وانهيار حضارتها وفنائها.
لقد عاش وادي ميزاب الحالين؛ فشهد وتنعم بفترات من الاستقرار الاجتماعي والأمن الداخلي أعان على ذلك التكافل بين طبقاته وشرائحه، وبساطة عيشهم وقناعتهم بما تيسر من متاع الحياة وزخرفها مع راحة البال وهناء الضمير في بيئة صحراوية تجمع بين واحاتها الخضراء ورمالها الصفراء وقصورها الشامخة فوق الجبال.
كما عاش فترات عصيبة كثرت فيها الفتن الداخلية واشتدت؛ امتد بعضها العشرات السنين، تسببت في إعاقة وادي ميزاب عن التقدم الاقتصادي والاجتماعي، فبدل العناية بالعلوم والمعرفة ورفع الوعي لدى الأهالي كانت الجهود منصبة حول الصراع والتناحر والتكتل لأجل غلبة فريق على آخر. كما زعزعت هذه الأحداث العلاقات العشائرية والقبلية وشقت وحدة الصف والجماعة، وتسببت في خراب عمراني وشكلت هما اجتماعيا فكك أسرا وشرد عائلات ونفى عشائر من قرى إلى أخرى.
كانت وراء إيقاد نار الفتن بين الأهالي أسباب وعوامل عديدة، لعل أهمها
ما يأتي:
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 59 - 60.