الشيخ علي يحي معمر أضواء على شخصيته وفكره
الجزء ١ · صفحة ١٥٣مع هذا التلاقي الكبير للإنسانية حول الأصل الأول للكون، فقد أخبرنا التاريخ من جهة أخرى عن بعض الأصوات التي تعالت منكرة وجاحدة هذه الحقيقة الساطعة، فسجلت كفرانها بالعقائد والأديان، فحاولت إرجاع كل ما هو غيبي إلى تفسير عقلي منطقي تارة ومادي تجريبي تارة أخرى، وقد تمثل هذا في المذاهب الإلحادية. لكن التاريخ أثبت لنا أن هذه المذاهب كانت تفند نفسها بنفسها، وتنقض بعضها بعضا، ثم تتهاوى كتهاوي البنيان، وذلك لما احتوت عليه من تناقضات
داخلية، ولما اعتمدت عليه من براهين منافية لمبادئ العقل والتفكير عند الإنسان.
وإن ما توصل إليه العلم الحديث من قوانين تحكم وتسير الكون وتنظمه في دقة وبراعة (1) زاد للأصل إثباتا، وزاد لهذه المذاهب هدما وتفنيدا، بما لا يقي شك على الإطلاق لمن تراوده في هذه الحقيقة الشكوك.
كما أن جميع الرسالات السماوية أتت مبشرة ومعلمة بهذا الأصل الأول وداعية إليه، ثم مصححة ومبينة للاعتقاد الصحيح حوله؛ وهو ما عرف بأصل التوحيد، فهو قدر مشترك بين جميع الديانات السماوية، لذا نجد القرآن الكريم يذكر لنا جمعا من الرسل ويقص علينا جهودهم في دعوة أقوامهم لتوحيد الله تعالى وإفراده بالألوهية (3).
(1) - عبد العليم عبد الرحمن خضر: المنهج الإيماني للدراسات الكونية في القرآن الكريم، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، الدار السعودية للنشر والتوزيع 1988 م، ص 2 - 81
(2) - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، ص 23 - 27.
(3) - مثلا يقول الله تعالى عن سيدنا نوح عليه السلام: ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف/ 59]، وعن سيدنا هود عليه السلام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف/65]، وعن سيدنا صالح عليه السلام: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف/73].
- 135 -
-