الشيخ علي يحي معمر أضواء على شخصيته وفكره
الجزء ١ · صفحة ١٧٤كما نجد المصادر الإباضية (1) من قبل توسعت في تحليل هذه القضية؛ حيث
تنص أنه من تمام الاعتقاد في الله أن يعلم الإنسان المسلم أنه لن يدرك حقيقة الله تعالى مهما أوتي من العلم وبلغ من المعرفة، وتقرر كذلك أن النصوص الشرعية في مجال العقيدة لا تبحث في ذات الله تعالى ولكنها ترشد إلى ما يبرز جانب عظمته وجلاله في مخلوقاته، وغاية التوحيد هو أن يعتقد المسلم أن الله مغاير لكل مخلوقاته، بل لكل ما يمكن أن يخطر بباله (2).
وفي هذا الصدد يورد الشيخ صالح لعلي أبياتا من الشعر جاء فيها ما يأتي: وكل ما صورته ببالك فا الله حل بخلاف ذلك
وعلم کنه ذاته محال
العجز عن إدراكه إدراك
(1) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 202. .
يعتبر
كان
ممن سواه ولذاك قالوا والخوض في إدراكه إشراك (4)
الأستاذ الجعبيري محاولة علماء الإسلام البحث في حقيقة الذات الإلهية طرف حضاري و علمي هم في غنى عنه؛ وذلك لاعتقادهم المسبق - بناء على ما أتى في النصوص الشرعية أن ذلك درب من المستحيل، بل أن العجز عن الإدراك فيه هو عين الإدراك. لكن مما يلاحظ على الأستاذ أنه لم يشر إلى أن الدافع للبحث في هذه المسألة في كثير من الأحيان بسبب ما يثيره أصحاب الملل الأخرى من شبهات حول حقيقة الله تعالى في الإسلام، مثل عقيدة التثليث عند النصارى، هذا ما يجعل بحثهم وردهم على هؤلاء ليس طرفا حضاريا أو علميا في مثل هذه الحالات، بل هو واجب يمليه عليهم غيرتهم على دينهم وعقيدتهم. كما لاحظ على علماء الكلام والعقيدة ما لاقوه من صعوبة في تطويع اللغة العربية لاستيعاب معاني عالم الغيب عموما وموضوع الذات الإلهية على وجه أخص. وأن البحث في هذه النقطة جعلت منهم يدركون حقيقة محدودية العقل وعجزه في بحث وإدراك بعض المسائل. (البعد الحضاري، ج 1، ص 265).
(2) - وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 110. (3) - صالح بن عمر لعلي (1867 - 1928 م) ولد ببني يزقن تعلم فيها وفي تونس بجامع الزيتونة ضرير البصر، عرف بحافظته القوية، درس في بني يزقن وألقى الدروس في مساجدها، ألف عدة كتب منها: مراقي العوام إلى معرفة مبادئ الإسلام خلاصة المراقي في مبادئ طاعة الخلاق. (يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 177 - 179).
(4) - صالح بن عمر خلاصة مراقي العوام على مجموعة متون دت، ص 29.
- 156 -