الشيخ علي يحي معمر أضواء على شخصيته وفكره
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤هنا نرى مذهب الشيخ واضحا في فصله بين الإيمان والأعمال، حيث اعتبر الأعمال مرتبة تأتي بعد الإيمان القلبي على الإنسان أن يتحلى بها. ثم نجده مرة أخرى يعود فيعقب على كلامه ويحاول أن يقترب أكثر من رأي مذهبه ولا يخالفه
فينص على أن أعمال الجوارح مرتبطة بعقيدة القلب ارتباطا وثيقا ومباشرا (1). في حقيقة الأمر لم نقف على أدلة الشيخ فيما ذهب إليه، باعتباره الإيمان يعني التصديق القلبي مع ارتباطه الوثيق بالأعمال، ولعل عرضه لآرائه العقدية الذي أتى بغرض تقديمها للناشئة كان دائما حائلا أمام التفصيل والتعمق في المسائل التي تناولها بالتحليل والنقاش، حيث كان يكتفي دائما بالإشارة إلى كليات الأمور أحيانا، وبالإيحاءات السريعة والمختصرة أحيانا أخرى، فيكشف لنا عن قناعاته دون استعراض للأدلة التفصيلية.
وفي حقيقة الأمر أن ما ذهب إليه الشيخ قد سبقه إليه قطب الأيمة الشيخ اطفيش؛ فاتخذ رأيا مخالفا لمذهبه يرى فيه أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإذعان الله تعالى ولما يترتب عنه؛ فهو الإخلاص الحقيقي وهو في حقيقته تصديق بالقلب» (2).
إن هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ لا يعني ابدا استهانته بركني الإقرار والعمل، أو عدم اعتبارهما شرطين أساسيين، فإذا كان التعريف عنده يقتضي التصديق القلبي فقط؛ فإنه في أكثر كتاباته عن أحوال المسلمين وفي عرض واقعهم دعوة صريحة إلى كون العمل جزءا وشرطا أساسيا للإيمان، وأن المسلم لا يكون في الحقيقة مؤمنا إذا تخلى عن شرط العمل.
فيقول مثلا في معرض حديثه عن الراشي والمرتشي: «إن تقديم الرشوة في نفسه حرام إذا كان من مال حلال فما بالك إذا اجتمعت فيه الصفتان؛ أنه رشوة
(1) - المصدر السابق: ص 171.
(2) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 284.
- 216 -