قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

إلا مَعَ قِيَام الْحُجَّةِ " (1)، وَوَلَايَةُ قَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ هِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَادَاتِ الْمُخَالِفِينَ، وَكَذَلِكَ وَلاَيَةُ قَادَاتِ أَهْلِ الْخِلافِ هِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَادَاتِ أَهْلِ

الْوِفَاقِ، وَكَذَلِكَ التَّصْوِيبُ وَالتَّخْطِئَةُ عَلَى هَذَا الْحَالِ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَقَلَّدَ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْخِلافِ، فَحُكِي عَنْ أَبِي حَزْرٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمْ يَظْلِمُهُ (2) (1) وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا، يَبْرَأُ مِنْهُمْ بِعَلامَتِهِمْ أَمْ لَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

هَلْ

(1) [السوفي: السؤالات، ص 290]. (2) يَظْهَرُ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا خزرٍ كَانَ شَدِيدَ الْحنقِ عَلَى مُخَالِفِيهِ حَتَّى اعْتبَرَ مَنْ حَكَمَ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى مَنْ تَقَلَّدَ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُ. قَالَ الْقُطْبُ له فِي الذَّهَبِ الْخَالِصِ قُلْتُ: ظَلَمَهُ لأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ، بَلْ أَسْرَعَ وَأَهْمَلَ. اهـ. وَنَحْنُ إِذَا بَحَتْنَا عَنْ سِرِّ هَذَا الْحَقِ وَجَدْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَرْجِعُ إِلَى تَأْثِيرٍ البيئَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُ عَاشَ فِي عَصْرِ الْعُبَيْدِيِّينَ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ التَّعَصُّبُ الْمَذْهَبِيُّ أَشُدَّهُ، وَعُومِلَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْإِبَاضِيَّةِ مُعَامَلَةَ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ تَزَلْفًا مِنْ مُخَالِفِيهِمْ لِلْجَوَرَةِ وَمُمَالَأَةٌ لَهُمْ عَلَى سِيَاسَةِ الإِبَادَةِ الَّتِي انْتَهَجَتْهَا الدَّوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةُ فِي حَقِّهِمْ، الأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ هَذَا الإِمَامَ أَنْ يَقْسُوَ مَعَ مُخَالِفِيهِ، وَيُقَابِلَ بِالتَّخْطِئَةِ مَنْ بَدَأَهُ بِهَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ وَإِلا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الإِبَاضِيَّةِ وَلَا مِنْ مَبْدَئِهِمُ التَّهَجُمُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الرَّأْيِ إِلا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَادِئَ بِالتَّخْطِئَةِ. وَقَدْ أَعْرَبَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ مِنْ إِبَاضِيَّةِ عُمَانَ عَنْ هَذَا الْمَبْدَا إِذْ يَقُولُ فِي قَصِيدَتِهِ رَدًّا عَلَى طَعْنِ الْعَرْيَانِيِّ: "لَوْ سَكَتُوا عَنَّا سَكَتْنَا عَنْهُمْ" [السالمي: كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، ص 7]، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ جَوْهَرِ النِّظامِ فِي عِلْمَيِ الأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ: "وَمُنْكِرٌ لِخَلْقِهِ يُخْتَلَفُ، فَقِيلَ: فَاسِقٌ وَقِيلَ نَقِفُ، مَا لَمْ يُخَطِّ لِلَّذِي قَدْ قَالَا بِضِدٌ مَا قَالَ فَعِ الْمَقَالاَ، يَعْنِي بِخَلْقِ الْقُرْآنِ [باب خلق القرآن، 17/ 1]، وَزَادَ ذَلِكَ تَوْضِيحًا فِي كِتَابِهِ تُحْفَةِ الأَعْيَانِ بسيرَةِ أَهْلَ عُمَانَ فِي مَعْرِضِ الْكَلَامِ عَلَى عَقِيدَةِ الإِبَاضِيَّةِ: لَيْسَ مِنْ رَأْيِنَا - وَالْحَمْدُ لِلهِ - الْغُلُوُّ فِي دِينِنَا، وَلَا الْغَسْمُ فِي أَمْرِنَا، وَلَا التَّعَدِّي عَلَى مَنْ خَالَفَنَا … اللَّهُ رَبُّنَا، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّنَا، وَالْقُرْآنُ إِمَامُنَا، وَالسُّنَّةُ طَرِيقُنَا، وَبَيْتُ اللهِ الْحَرَامُ قِبْلَتُنَا، وَالإِسْلَامُ دِينُنَا"، إِلَخْ إلخ. [69/ 1]. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوارِ جَلانِيُّ مِنْ إِبَاضِيَّةِ الْمَغْرِبِ [الْجَزَائِرَ] فِي كِتَابِهِ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ: "فَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدُوهُ دِينَا وَلَمْ يَقْطَعُوا عُذْرَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ خَطَأً مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: " وَلِكُلِّ مُعْتَقَدُهُ مَا لَمْ يَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ، وَالتَّالِي أَسْلَمَ". اهـ[3/ 112، 113]. وَبَعْدُ فَمَا أَحْوَجَ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ سِيَّمَا فِي عَصْرِنَا - وَقَد تَدَاعَتْ عَلَيْهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبِ - أَنْ تَتَغَاضَى عَنْ تَجْرِيحِ بَعْضِهَا وَتَتَعَالَى عَنِ الْمُنَاقَشَاتِ وَالْمُهَاتَرَاتِ الَّتِي لَا تَزِيدُ أَوْصَالَهَا إِلَّا