قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٤

الفصل الثاني

فِي بَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ

وَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ الْبُلُوعَ كَالْوَلَايَةِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَقَرْضُ الْبَرَاءَةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ بِشَخْصِهِ، فَبَرَاءَةُ الْكَافِرِينَ هَكَذَا تَوْحِيدٌ، وَالتَرْكُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شِرْكٌ، وَالْجَهْلُ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَا شِرْكٌ، وَكَذَلِكَ الْجَهْلُ بِأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا ثَوَابًا كُفْرٌ وَشِرْكُ، وَالإِنْكَارُ لِوُجُوبِهَا وَفَرْضِهَا شِرْكٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْجِنِّ إِنَّمَا هِيَ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ وَإِنْ ظَهَرَ كَلَامُهُ، وَتُجْزِتُنَا الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تُجْزِتُنَا وَلايَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ جُمْلَةٌ، وَلَيْسَ ظُهُورُ الأَصْوَاتِ مِنْهُمْ بِظُهُورٍ، بَلْ ظُهُورُ الأَجْسَادِ) وَأَحْكَامُهُمْ بَيْنَهُمْ كَأَحْكَامِ بَنِي آدَمَ

(1)

(1) ظُهُورُهُمْ بِالْأَجْسَادِ لا يَصِحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَنكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تروم﴾ (الأَعْرَاف: 27)، وَلَقَدْ بَالَغَ الْعُلَمَاءُ فِي إِنْكَارِهِ حَتَّى قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ إِلا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. [حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب، 236/ 8]، أَمَّا الإِمَامُ ابْنُ بَرَكَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَشَارِقَةِ قَالَ بِتَجْرِيح مَنْ يَزْعُمُ رُؤْيَةَ الْجِنِّ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا يُشَاهِدُهُ الْبَعْضُ مِمَّنْ لَا يُتَهَمُ بِالْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلُ، قَالَ عُمَرُ: "إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذَنُوا" [ذكره ابن ر: فتح الباري، 344/ 6]. وَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ كُلَّفَ بِتَبْلِيغِهِمْ وَلَمْ يَرَهُمْ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاس عَنْهُ، بَلْ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْمِينَ﴾ (الجن: 1)، فَكَيْفَ يَصِحُ لَنَا أَنْ تُثْبِتَ رُؤْيَتَهُمْ لِغَيْرِهِ؟! اهـ مُصَححه.