الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٣أَعْمَالِهِمْ قَامَتْ عِنْدَهُمْ مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ مِنْهُمْ لَهَا، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُشْتَهَرْ مَعَهُمْ لَهُ اسْمٌ وَلَا عَمَلٌ مِنْ أَهْل الإِنْكَارِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الأَحْدَاثِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْحُجَّةُ، أَوْ شَهَرَتْ مَعَهُمْ أَسْمَاؤُهُمْ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ بِأَحْدَائِهِمْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِمْ وَأَحْدَائِهِمْ لَزِمَتْهُمُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُشْتَهَرْ مَعَهُ تكْذِيبُ قَوْمٍ نُوحٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ مَوْضُوعَةٌ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الأَحْدَاثِ فِي الإِقْرَارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ، أَوْ سَمِعَ بِهِمْ وَلَمْ يَسْمَعْ بِأَحْدَانِهِمُ الشَّاهِرَةِ عَنْهُمْ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شَهرَتِ الأَحْدَاثُ مِنْهُمْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَنْهُ حَتَّى تُشْتَهَرَ مَعَهُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَحْدَاتُهُمْ، أَوْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ، أَوْ يُشْتَهَرَ مَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3).
(1) 110
(1) [انظر الكندي: بيان الشرع، 53،52/ 3 بتصرف]. (2) إِنَّ الْبَحْثَ وَرَاءَ أَحْدَاثِ مَنْ سَبَقَنَا لِلتَّحَقِّقِ مِنْ حَالَةِ أَشْخَاصِ خَاضُوا فِي مُنيَتْ بهَا أُمَّةٌ الإِسْلامِ عَبْرَ تَارِيخِهَا كَفِتْنَةِ الصَّحَابَةِ مَثَلاً، لَيْسَ مِنْ وَرَاءِهِ فَائِدَةٌ وَلاَ أَثَرٌ مَحْمُودٌ يَنْفَعُ الأُمَّةَ. مُسْتَقْبَلِهَا، بَلْ بِالْعَكْسِ لَا يَزِيدُ شَمْلَهَا إِلَّا تَشْتِينَا، وَلا شقَّةَ الْخِلَافِ بَيْنَهَا إِلَّا انْفِرَاجًا، عَلَى أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النَّفْسُ يَصْعُب جدًّا، مَعَ مَا نَرَاهُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ مِنْ تَضَارُبِ أَخْبَارِهَا وَاخْتِلافِ رِوَايَاتِهَا وَكَثَرَةِ التَّدْلِيسِ فِيهَا عَمْدًا أَوِ انْسِيَاقًا مَعَ الْهَوَى، أَوْ خُضُوعًا لِلسَّيَاسَةِ الْغَاشِمَةِ الَّتِي تَصْبُغُ الْحَوَادِثَ بِاللَّوْنِ الَّذِي يَحْلُو لَهَا، وَعَلَيْهِ فَالْخَيْرُ كُلَّ الْخَيْرِ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ أَنْ لَا يُفْنِيَ عُمْرَهُ فِي التَّنْقِيبِ عَنْ هَنَاتِ أَشْخَاصِ أَصْبَحُوا فِي ذِمَّةِ التَّارِيخ، وَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ بِبَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ، وَيَكَلَ أَمْرَ التَّفْصِيلِ إِلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِذَا كَانَ الإِمَامُ الْعَادِلُ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ يَقُولُ فِي كَلِمَتِهِ الرَّحِينَةِ: (لا يُبْرَأُ مِنَ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَكُونَ حَاضِرًا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ). فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنْ نُحْضِرَ مَنْ تَغَلْغَلَ فِي أَحْشَاءِ الْقِدَمِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ؟! وَلِلْعَلامَةِ خَلْفَانَ بْنِ جَمِيلَ السّيابِي - مِنْ عَلَمَاءِ عُمَانَ الْمُعَاصِرِينَ الْمُتَوَفَّى (15 شَعْبَان 1392) - كَلامٌ نَفِيسٌ فِي الْمَوْضُوع جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ وُجّهَ إِلَيْهِ نَصُّهُ: مَا بَالُنَا نَرَى الْأَصْحَابَ مُنْقَسِمِينَ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ؛ بَعْضُ يُشَدِّدُ، وَبَعْض يَتَوَفَّفُ، وَبَعْضُ يُوَالِي، وَمَبْدَأُ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ عِندَهُمْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: "أَمَّا الْقَوْلُ فِي الْفِتَنِ الَّتِي كَانَتْ نِيرَانُهَا مُشْتَعِلَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَلَا تَزَالُ