قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

قواعد الإسـ د الإسلام

فَالْخَطْبُ سَهْلٌ، فَتِلْكَ دِمَاءُ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا أَيْدِينَا فَلْتُطَهِّرْ مِنْهَا أَلْسِنَتَنَا وتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134، 141). فَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ فِي الْوَلايَةِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ، أَمَّا بَعْدَ الافْتِرَاقِ فَمَنْ تَوَقَّفَ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْفِتْنَةِ فَهُوَ عَلَى حَالِهِ فِي الولايةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ دَخَلُوا الْفِتْنَةَ وَاقْتَتَلُوا فَأَصْحَابُنَا الأَوَّلُونَ حَكَمُوا عَلَى كُلِّ بِمَا عَايَنُوهُ فِيهِ أ صَحَ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي نَقُل مَا كَتَبُوا، فَقَدْ قَلَّتِ الأَمَانَةُ، وَكَثُرَتِ الأَهْوَاءُ، وَعَمَّ التَّعَصُّبُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ، فَلَمْ يَتَحَيَّمْ عَلَيْنَا التَّنْقِيبُ وَالْبَحْثُ عَنْ خَفِيَّاتِ مَنْ مَضَي، وَالسَّتْرُ مَظْلُوبٌ، وَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَحْتَكمَ فَاحْكُمْ فِيهِمْ بِمَا تَسْتَيْقِنُهُ مِنْهُمْ بِلا رَيْبٍ، وَأَمَّا مَا تَغَيَّبَ أَوْ يَخْفَى أَوِ ارْتَبْتَ فِيهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْكَ أَن تَتَوَقَّفَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَلدَ مَنْ سَبَقَ فِي دِينِنَا، بَلْ لَا نَحْكُمُ إِلا بِعِلْمِنَا فِيهِمْ، سِيَّمَا وَالشَّكُ وَالتَّحْرِيفُ مُحْتَمَلاَنِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ،

فَلْنَكْتَفِ بِوَلَايَةِ الْجُمْلَةِ فِيمَا غَابَ عَنَّا عِلْمُهُ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَنَا وَيُلْهِمَنَّا رُشْدًا. اهـ مَا أَعْذَبَهُ كَلاَمًا وَأَعْدَلَهُ حُكْمًا فَلَقَدْ وَقَفَ مَوْقِفًا مُعْتَدِلاً أَبَانَ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ عَقِيدَةٍ وَاسْتِبْرَاءِ لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ إِذِ احْتَرَسَ عَنِ الْخَوْضِ فِي قَضِيَّةٍ شَائِكَةِ لاَ يُؤْمَنُ فِيهَا الزَّلَقُ وَالزَّلَلُ، نَاهِيكَ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ سَلَفَنَا الصَّالِحَ وَرَعِيلَنَا الأَوَّلَ الَّذِي كَانَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِنَا الأَعْظَمِ صلى الله عليه وسلم فِي تَبْلِيغِ.

أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَتَلَقَّوْهُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَكَثُرَتِ الأَهْوَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا سَطْرَهُ بَعْضُ ثِقَاتِ الْمُؤَرِّخِينَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ قَضَايَا تِلْكَ الْفِتَنِ الْكُبْرَى يَجِدْ بَيْنَهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا لاخْتِلافِ الْمَصَادِرِ الَّتِي اسْتَقَوْا مِنْهَا مَعْلُومَاتِهِمْ، فَكَانَتِ السَّلَامَةٌ حَقًّا فِي الْكَفِّ عَنْ تَعَصُّفِ تِلْكَ الْمَجَاهِيلِ، وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ خَاضُوا فِي هَذِهِ الْفِتَنِ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ - سَيِّمَا الَّذِينَ أَسْرَفُوا مِنْهُمْ فِي الطَّعْنِ- تَنَزَّهُوا وَتَوَقَّفُوا كَمَا فَعَلَ عَلَامَتُنَا الْجَلِيلُ، وَكَرَّسُوا حَيَاتَهُمْ فِي إِصْلَاح حَاضِرِ الْمُسْلِمِينَ وَعَمِلُوا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: (141) لَتَجَافَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الفِتَنِ وَالْبَلَايَا الَّتِي عَانَتْهَا الأُمَّةُ عَبْرَ الْقُرُونِ وَلَا تَزَالُ، وَالأَمْرُ لِلهِ عَصَمَنَا اللهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَهَدَى الْأُمَّةَ إِلَى مَا فِيهِ وَحْدَتُهَا

وَعِزَّتُهَا. اهـ مُصَححه.