الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٨اللهِ لا يَتَحَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ) وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ احْتِجَاجَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ مُسْتَقْصِّى فِي كِتَابِ شَرْحِ قَصِيدَةِ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (3).
(1) أبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ، لَئِن قَالَ الشَّاعِرُ [ابن دريد]:
وَالنَّاسُ أَلْفُ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ وَوَاحِدٌ كَأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا
فَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَخْلُقُ أَجْيَالاً، وَيُحْيِي أُمَمًا، وَيُنْشِئُ دُوَلاً، وَيَسْعَدُ عَلَى يَدَيْهِ أَقْطَارٌ وَأَوْطَانٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الإِمَامُ التَّابِعِيُّ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْأَعْوَرِ وَبِالْقَفَّافِ؛ لأَنَّهُ يَحْتَرِفُ صِنَاعَةَ الْقِفَافِ وَيَرْتَزِقُ بِهَا هُوَ وَطَلَبَتْهُ - وَهِيَ كَمَا تَرَى - حِرْفَةٌ شَرِيفَةٌ تَسُدُّ الضَّرُورَةَ وَلَا تُشْغِلُ عَنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ.
كَانَتْ مَدْرَسَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ - رَغْمَ مَا يَكْتَنِفُهَا مِنْ مُضَايَقَاتِ الْحَجَّاجِ وَمُعَاكَسَاتِهِ - مَصْدَرَ إِشْعَارٍ دِينِي أَضَاءَ مَشْرِفًا وَمَغْرِبًا، فَبِاللَّهِ مَا أَبْرَكَهَا عَلَى الإِسْلامِ فَقَدْ تَخَرَّجَ مِنْهَا الْعَلَامَةُ الْبَغْطُورِيُّ الَّذِي عَادَ إلى ليبيا وَانْقَطَعَ لِنَشْرِ الْعِلْمِ تَدْرِيسًا وَإِفْتَاء، وَظَلَّ هُنَاكَ مُرَابطًا، وَبَارَكَ اللهُ فِي عُمْرِهِ إِلَى أَيَّامِ الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي، فَكَانَ سَاعِدَهُ الأَيْمَنَ فِي قَمْعِ الظَّالِمِينَ وَالْمُفْسِدِينَ، كَمَا تَخَرَّجَ مِنْهَا الْعَلَامَةُ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ رَائِدُ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الصَّافِيَةِ مِنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ، الَّذِي طَافَ أَنْحَاءَ الْمَغْرِبِ وَدَعَا أَقْوَامَهُ إِلَى اللَّهِ، فَأَيْقَظَ مِنْهُمْ عُيُونًا غَافِيَةٌ، وَأَهَابَ بِقَبَائِلِ الْبَرْبَرِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَأَلْهَبَ نُفُوسَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ وَالاكْتِرَاعِ مِنْ يَنَابِيعِهِ الصَّافِيَةِ، وَأَلْفَتَ نَظَرَهُمْ إِلَى مَدْرَسَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْبَصْرَةِ، فَكَانَ مِنْ ثَمَرَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ أَنِ الْتَحَقِّ بِهَا مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعِيدَ لِلإِسْلَامِ بَشَاشَتَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، أُولَئِكَ هُمْ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ الَّذِينَ أَسَسُوا دَوْلَتَيْ أَبِي الْخَطَّابِ بِطَرَاجُلسَ وَالْقَيْرِوَانِ، وَدَوْلَةَ بَنِي رُسْتُم بِتَاهِرْتَ، وَمِنْ خِرِّيجِي مَدْرَسَتِهِ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِينَ انْتَزَعُوا عُمَانَ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ، وَأَقَامُوا بِهِ إِمَامَةً أَحْيَوْا بِهَا سِيرَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، كَمَا أَزَالَ مُرِيدُوهُ مَعَالِمَ الْجَوْرِ مِنَ الْيَمَنِ وَحَضْرَمُوتَ، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِمَشُورَتِهِ كَانَتْ إِمَامَهُ عَبْدِ اللَّهِ طَالِبِ الْحَقِّ الَّتِي بَسَطَتْ نُفُوذَهَا عَلَى الْيَمَنِ وَسَائِرِ الْحِجَازِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُ أَمَدُهَا. هَذَا بَعْضُ مَا تَمَّ عَلَى يَدَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يُسَمَّى جُنْدِيَّ الإِسْلَامِ الْمَجْهُولَ)، ثُمَّ لَا غَرْوَ أَنْ يَقُولَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ أَبُو جَعْفَرِ الْمَنْصُورُ إِذْ بَلَغَهُ مَوْتُهُ: "أَوَقَدْ مَاتَ؟ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتِ الإِبَاضِيَّةُ" [سير الشماخي، 91/ 1]. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ حَوَالَيْ سَنَةِ 150 هـ رَحِمَ اللهُ تِلْكَ النَّفْسَ الْكَبِيرَةَ وَالرُّوحَ الْجَبَّارَةَ الَّتِي دَكَّتْ صُرُوحَ الْقَاسِطِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.
(2) يُشِيرُ إِلَى شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ أَبِي نَصْرِ النُّونِيَّةِ الَّتِي مَطلَعُهَا: سَلامٌ عَلَى الإِخْوَانِ فِي كُلِّ مَوْطِن شرح النونية، 23/ 2، شرح البيت 34].
بِنَجْدٍ وَخيف وَالسّهُولَةِ وَالْحَزْنِ [الجيطالي: