قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

الْغِنَى فِي لِسَانِهِ، يُوَحّدُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَإِلا حُبِسَ فِي الشَّمْسِ بَعْدَ أَنْ يُطْلَى جَسَدُهُ بِالْعَسَل وَقِيلَ: يُطْلَى وَجْهُهُ بِاللَّبِنِ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَقِيلَ:، و (1) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَإِذَا أَخَذَ الْجِزْيَةَ الإِمَامُ فَإِنَّهُ يُعْطِي مِنْهَا لِفُقَرَائِهِمْ، وَلَا يَتْرُكُ الظُّلْمَ يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْكِثْمَانِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَلاَ يُعَامَلُ فِيهَا مَنْ أَخَذَهَا إِلَّا مَنْ قَادَتْهُ دِيَانَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلا يَتْرُكُهُمُ الإِمَامُ أَنْ يُظْهِرُوا شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ مِثْلِ الْخَمْرِ، وَإِمْسَاكِ

ه

(2)

(1) وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَمَاشَى وَسَمَاحَةَ الإِسْلامِ بِخِلَافِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، قَالَ: "أُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ فِي دِينِنَا سَمَاحَةً". [رواه الطحاوي: شرح مشكل الآثار، (1487]. هَذَا وَإِنَّ حِكْمَةَ تَمْيِيزِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ دُونَ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَإِبْقَائِهِمْ عَلَى دِيَانَتِهِمْ يُمَارِسُونَ طُفُوسَهَا بِحُرِّيَّةٍ إِنَّمَا كَانَتْ: 1 - لَأَجَلٍ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ. 2 - لِيُدْرِكُوا بِمَا يُضْفِي عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ مِنْ حُسْنِ رِعَايَةٍ وَمُعَامَلَةٍ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِدْرَاجُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَنِقُوهُ مُخْتَارِينَ. فَإِذَا تَأَمَّلْنَا قَوْلَ مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الذَّمِّيُّ الْمُفْلِسِ أَنْ يُطْلَى جَسَدُهُ بِالْعَسَلِ، أَوْ وَجْهُهُ بِاللَّبَنِ، وَيُحْبَسَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ، وَجَدْنَا هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مُزرِيَةً وَمُنَفِّرَةٌ تُنَا فِي رُوحَ الْإِسْلَامِ فِي تَشْرِيعِهِ، والإسلامُ تَبْشِيرٌ لا تَنْفِيرٌ، وَتَيْسِيرٌ ير لا تَعْسِيرُ، لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَتَحَلَّلُ مِنْ جِزْيَتِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ؟ أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِالأَدَاءِ وَهُوَ مُفْلِسٌ؟ اللهُمَّ إِلا أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْمُضَايَقَةِ إِكْرَاهُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿ولَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْمَي﴾ (البقرة: 256)، وَيَقُولُ الرَّسُولُ: " الْجَنَّةُ حرامٌ عَلَى مَنْ قَتَلَ ذِمِّيَّا أَوْ ظَلَمَهُ أَوْ حَمَّلَهُ مَا لاَ يُطِيقُ، وَأَنَا حَجِيجُ الذَّمِّي فَكَيْفَ الْمُؤْمِنُ! " [رَوَاهُ الربيع، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، ر 754]، فَهَلْ يَجْنِي الإِسْلامُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الإِمَانَةِ الَّتِي تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ انْتِقَامَا ثَمَرَةً؟ ثُمَّ أَيُّ خَيْرٍ لِلإِسْلَامِ فِيمَنْ يَعْتَنِقُهُ كَرْهَا، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا لَأَعْدَائِهِ يَعْمَلُ لِمَضَرَتِهِ تَحْتَ أَسْتَارِ الْخَفَاءِ، وَالْإِسْلَامُ فِي عَنْيَةٍ عَنْ هَذَا. ألَيْسَ مِنْ حُسْنِ الدّعَايَةِ لِلإِسْلامِ أَنْ تُعْفِي هَذَا الْمُفْلِس - لاَ سِيَّمَا وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ - مِنْ أَدَائِهَا كَرَمًا وَتَأْلِيفًا، وَلأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَطِيع، وَلا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا؟ أَلَا إِنَّ الإِسْلَامَ دِينُ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ، وَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا غَذَا الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ وَالضَّمَائِرَ الْمُتَحَجِّرَةَ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ وَرِقَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى مَبْدَأُ التَّوْحِيدِ بِكِتَابِهِ لَا بِكَتَائِبِهِ، وَبِنُبْلِهِ لا بِسَبَالِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم) (القلم): (4)، وَقَالَ: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حولك) (آل عمران: 159)، والله أَعْلَمُ اهـ مُصَححه. (2) قَالَ الْمُحَنِّي: يَعْنِي لاَ يَجُوزُ إِظْهَارُهُ فِي الْخَارِج، وَأَمَّا فِي بُيُوتِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، يُنظَرُ الْعَدْلُ مِنْهُم دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَهُمْ،