قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

قواعـ

فصل

فِي النِّيَّةِ (1) وَتَوَابِعِهَا مِنَ الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ

اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ لُبَابُ الْفِعْل وَصَفْوَتُهُ، وَعِمَادُ الدِّينِ وَأُسُّهُ، وَلِذَلِكَ نَفَى الرَّسُولُ الأَعْمَالَ إِلا بِهَا؛ لأَنَّهَا فِي الْعَمَلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَدْرِ فِي الزَّرَاعَةِ، فَمَنْ زَرَعَ بِالْبَدْرِ فَحَقِيقٌ أَنْ يَحْصُدَ غِبْطَةٌ، وَمَنْ تَعَنَّى بِلا بَدْرٍ فَثَمَرَتُهُ النَّدَامَةُ، وَمَنْ أَهْمَلَ عَمَلَهُ بِسَهْرٍ أَوْ غَفْلَةٍ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَعْمَلُ، وَالْعَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ عَنَاءٌ، وَالنِّيَّةُ بِغَيْرِ إخلاص رِيَاءٌ، وَهُوَ وَالنّفَاقُ سَوَاءٌ، وَالإِخْلاَصُ مِنْ غَيْرِ صَدْقٍ وَتَحْقِيقِ هَبَاءُ، وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ تَصِحُ نِيَّةُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ؟ أَوْ كَيْفَ يَصِحُ لَهُ عَمَلٌ صَحِيحٌ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الإِخْلاصِ؟ أَوْ كَيْفَ يُطَالِبُ الْمُخْلِصُ نَفْسَهُ بِالصِّدْقِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ؟ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلَّ عَبْدِ أَرَادَ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَلَّمَ النِّيَّةَ لِتَخْلُصَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ، ثُمَّ يُصَرِّحُهَا بِالْعَمَلِ بَعْدَ فَهُم حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَسِيلَنَا الْعَبْدِ إِلَى النَّجَاةِ وَالْخَلاَصِ يَوْمَ الْأَخْذِ بِالنَّوَاصِي.

(1) النِّيةُ: تَارَةً يُقْصَدُ بِهَا تَعْيِينُ الْعِبَادَةِ كَالْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مِنْهُ اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي الْوُضُوهُ شَرْطَ فِي صِحْتِهَا، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ كُلَّ عِبَادَةٍ بِوَضُوءٍ مُجَدِّدٍ، وَتَارَةً يُقْصَدُ بِهَا تَعْيِينُ شَخْصِهَا كَالصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِيهَا، إِنْ عَصْرًا فَعَصْرٌ، وَإِنْ ظُهْرًا فَظُهُرٌ، كَمَا أَنَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا إِذَا ابْتَدَأَهُ تَطَوُّعًا كَالْحَجِّ إِذَا ابْتَدَأَهُ - مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ - تَطَوُّعًا انْقَلَبَ ذَلِكَ

عِنْدَهُمْ فَرْضًا، وَمِنْهَا مَا لاَ يَنْقَلِبُ كَالصَّلاةِ إِذَا عَقَدَهَا نَافِلَةٌ لَا تَسْتَحِيلُ فَرْضًا. اهـ مُحَدِّي.