الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٣183
وَمَنْ تَوَرَّعَ بِلا بَحْثٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَدُورُ بِالرَّحَى، كُلَّمَا اشْتَدَّ فِي اشْتَدَّ الْحِمَارُ فِي دَوْرِهِ (1). وَمِمَّا يُؤْثَرُ مِنْ كَلامِ عِيسَى: لَوْ صَلَّيْتُمْ تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَقْواسِ مَا نَفَعَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا
وَرَعِه
(Y)11
بالورع (2).
فَإِذَا كَانَ الْوَرَعُ مَلاكَ الأَمْرِ كُلِّهِ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَإِعْطَاءِ وَمَنْعِ، وَيُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَمَا رَأَىهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ اجْتَنَبَهُ.
[درجات الورع أربعة]
وَيُقَالُ: الْوَرَعُ عَلَى أَرْبَعِ دَرَجَاتٍ، أَحَدُهَا: وَرَعُ الْعُدُولِ، وَهَذَا (3) الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ بِارْتِكَابِهِ النَّارَ، وَذَلِكَ كُلُّ مَا يَقْتَضِيهِ تَحْرِيمُ الْفَتْوَى مِنْ جَمِيعِ الْمَحَارِمِ والثَّانِي: وَرَعُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا، كَقَوْلِهِ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِبيكَ (4)، وَالثَّالِثُ: وَرَعُ الْمُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ
6
لِتَصْرِيحِ الْمُحَنِّي بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَاشِيَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الإِيضَاحِ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ، تَخَرَّجَ عَلَى الْعَلامَةِ الْكَبِيرِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي هَارُونَ اللآلوَتِي الَّذِي قِيلَ فِي حَقِّهِ (قَلَّ أَنْ يَكُونَ ذُو عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ لَمْ يَقْتَبِسْ مِنْ سَنَاهُ، وَلَمْ يَغْتَرِف مِنْ يَنْبُوعِهِ، أُسْنِدَتْ إِلَيْهِ الْفَتْوَى فِي جَبَلٍ نَفُوسَةَ زَمَنَ الأَمِيرِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ التَندِمِيرَنِي بَعْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ الكباوِيِّ، يَرْوِي عَنْهُ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ فِي كِتَابِ الْقَوَاعِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ عَامِرٌ فِي
الإيضاح.
أَمَّا الْمَشْهُورُونَ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ فِي الشَّرْقِ فَأَكْثَرُهُمْ نَقْلاً عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةً الْبَهْلَوِيُّ الْعُمَانِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ). اهـ مُصَححه.
(1) [انظر البغطوري سير أهل نفوسة، ص 43]. (2) [ذكره السمرقندي: تنبيه الغافلين، 518/ 2 حديثا، وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر،
454/ 1 قولا لعمر بن الخطاب].
(3) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مُشْكِلٌ يُفِيدُ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ، وَلَعَلَّ سَقْطًا وَقَعَ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَصِحَةُ الْعِبَارَةِ تَكُونُ وَلَا
بُدَّ هَكَذَا وَرَعُ الْعُدُولِ هُوَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَسْتَحقُ .. إلخ.
(4) [رواه الترمذي، أبواب صفة القيامة، باب 22، ر 2637].
: