الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٤184
: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُتَّقُونَ مُتَّقِينَ لِتَرْكِهِمْ مَا لا بَأسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا فِيهِ الْبَأْسُ (1)، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: "كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِي الْعَبْدُ فِي مِثْقَالِ ذَرَّةٍ حَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلالٌ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، يَكُونُ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَالرَّابِعُ: وَرَعُ الصَّدِّيقِينَ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ أَصْلاً وَلَا يَخَافُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى مَا فِيهِ الْبَأْسُ، وَلَكِنَّهُ يُتَنَاوَلُ لِغَيْرِ اللهِ، أَوْ يُجْتَلَبُ إِلَيْهِ بِقُوَّةٍ غُذِّيَتْ بِمَحْظُورِ الشَّرْعِ، أَوْ يَأْتِي بِهِ إِلَيْهِ بَعْضُ مُنْتَهِكِي حُرُمَاتِ اللَّهِ مِنَ الظَّلَمَةِ وَالْفُسَّاقِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللهُ - وَقَدْ جَاءَهُ وَلَدُهُ بِلَحْمِ صَيْدِ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ، فَقَالَ: كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ يونس فَهُوَ يُونِسُ، وَكَانَ وَلَدُهُ يُخَالِطُ زِنَانَةَ (2) فِي الْمُعَامَلَةِ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وجوب اقتران الورع بالعلم]
وَالْوَرَعُ لا يتمُّ إِلا بِالْعِلْمِ؛ لأنَّ الْجَاهِلَ رُبَّمَا أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَنْبَغِي، وَفَتَحَ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْبَغِي، فَمِثَالُ ذَلِكَ رَئيسُ السَّفِينَةِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْبَحْرِ أَرْسَاهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَالْجَاهِلُ بِالْبَحْرِ يُغْرِقُ السَّفِينَةَ وَمَنْ فِيهَا، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ جُنُودَهُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي جَسَدِهِ، وَيُعْلِقَهَا بِأَبْوَابِهَا، فَبَابُ الْعَيْنِ الْجُفُونُ، وَبَابُ اللَّسَانِ الشَّفَتَانِ، وَبَابُ الْيَدَيْنِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَبَابُ الْفَرْجِ التَّوْبَةُ، وَبَابُ الرَّجْلَيْنِ الْوُقُوفُ عَنِ الشُّبُهَاتِ، فَإِذَا حَضَرَهُ أَمْرٌ حَسَنٌ فِيهِ فَتْحُ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ فَلْيَفْتَحْهُ، وَإِلَّا فَلْيُغْلِقْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) [رواه الترمذي بلفظ: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به
البأس"، أبواب صفة القيامة، باب 14، 2415].
(2) وَفِي نُسْخَةٍ: زنتات.
(3) [انظر البغطوري: سير أهل نفوسة، ص 13، 14].