قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

ـد الإس

وَأَمَّا الْمُتَصَوَّفَةُ فَالرَّاضِي عِنْدَهُمْ: هُوَ الْمُحِبُّ لِمَا يَغْشَاهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَ مِنْ وَنَهْيِ وَحَادِثٍ مَحْبُوبًا كَانَ أَوْ مَكْرُوهَا، وَلَيْسَ الرَّاضِي عِنْدَهُمْ رَاضِبًا حَتَّى يُحِبَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَيَكُونَ فِي جَرَيَانِ الْمَقَادِيرِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَلَيْسَ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ قَالَ النبي و لا بْنِ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ اعْمَلْ عَلَى الرِّضَى وَالْيَقِينِ وَإِلَّا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ (2)، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ سُرُورًا فِي عَمَل الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَلْيَحْمِلْ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ،

(2)

فَإِنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَتْ مَنْزِلَةُ الصَّابِرِ دُونَ مَنْزِلَةِ الرَّاضِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَهُ فِي التَّوَكُلُ: وَهُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (3)، ومَعْنَى التَّوَكُل: سُكُونُ الْقَلْبِ فِي ضَمَانِ الرَّبِّ، وَالطُّمَأْنِينَةُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاهِبِ وَالإِحْسَانِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا

والآخرة.

6

(4)

اعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُلِ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ وَالتَّدْبِيرُ بِالْقَلْبِ، وَالسُّقُوطُ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ، وَكَاللَّحْمِ عَلَى الْوَضَمِ وَهَذَا ظَنُّ الْجَاهِلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْع؛ لأَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ، فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامُ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِمَحْظُورَاتِهِ، بَلْ نَكْشِفُ الْغِطَاءَ عَنْهُ وَنَقُولُ: إِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُل فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعِلْمِهِ إِلَى مَقَاصِدِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِجَلْبٍ نَافِعِ مَفْقُودٍ بِالْكَسْبِ، أَوْ لِحِفْظِ مَوْجُودٍ عِنْدَهُ بِالادْخَارِ، أَوْ لِدَفْعِ ضَارٌ لَمْ

(1) [انظر إحياء علوم الدين، 317/ 4 وما بعدها]

(2) [رواه أحمد، ر 2804].

(3) الْمَائِدَة: 23.

(4) [الوَضَمُ: كلّ شيء يُجعلُ عليه اللحم من خشب أو باريّة (أي حصير) يوقى به من الأرض … " (الجوهري: الصحاح، باب الميم، فصل الواو: وضم)].