الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧187
يَنْزِلْ بِهِ كَالصِّ وَالسَّبَاعِ، أَوْ لإِزَالَةِ ضَارٌ قَدْ نَزَلَ بِهِ كَالتَّدَاوِي مِنَ الْمَرَضِ، فَمَقْصُودُ حَرَكَاتِ الْعَبْدِ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ.
أَمَّا جَلْبُ نَافِعِ فَيَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةِ) أَوْجُهِ، أَحَدُهَا [الوجه الأول]: مَقْطُوع بِهِ، مِثْلُ الأَسْبَابِ الَّتِي ارْتَبَطَتِ الْمُسَيِّبَاتِ بِهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ارْتِبَاطًا مُطْرَدًا لا يَخْتَلِفُ (3)، مِثْلُ الطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَائِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، فَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ اليَد فَيَقُولُ: إِنِّي مُتَوَكَّلَ، وَشَرْطُ التَّوَكُلِ تَرْكُ السَّعْيِ، وَمَدُّ الْيَدِ سَعْيٌّ وَحَرَكَةٌ، وَكَذَلِكَ مَضْعُهُ بِالإِنْسَانِ، فَهَذَا جُنُونٌ وَلَيْسَ مِنَ التَّوَكُل فِي شَيْءٍ، فَإِنَّهُ إِنِ انْتَظَرَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِ شَبَعًا دُونَ أَكْلِ الْخُبْزِ، وَدُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ إِلَيْهِ، أَوْ يُسَخَّرَ مَلَكًا يَمْضِعُهُ لَهُ، فَقَدْ جَهِلَ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى فِي الْبِلادِ وَالْعِبَادِ، وَكَانَ كَمَنْ طَمِعَ فِي الزَّرْعِ مِنْ غَيْرِ بَكْرٍ وَلَا حَرْثٍ، وَطَمِعَ فِي الْوَلَدِ بِغَيْرِ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ، كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَأَمْثَالِ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ، فَلَيْسَ التَّوَكُلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْعَمَلِ، بَلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، أَمَّا الْعِلمُ: فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ الطَّعَامِ وَالْيَدِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَأَمَّا الْحَالُ: فَيَكُونُ سُكُونُهُ وَاعْتِمَادُهُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْيَدِ وَالطَّعَامِ، إِذْ تَجِفُ الْيَدُ وَيَسْلُبُهُ الطَّعَامَ فِي الْحَالِ، وَإِذَا كَانَ حَالُهُ هَكَذَا وَعِلْمُهُ فَلْيَمُدَّ إِلَيْهِ الْيَدَ، فَإِنَّهُ مُتَوَكَّل.
الْوَجْهُ الثَّانِي: الأَسْبَابُ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَعَيّنَةٌ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَبِّبَ لا يَحْصُلُ دُونَهَا، كَالَّذِي يُسَافِرُ فِي الْبَادِيَةِ بِغَيْرِ زَادٍ، فَهَذَا مُتَوَكَّلْ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاضَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ أَسْبُوعًا أَوْ مَا قَارَبَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَشِيشِ وَالأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ، فَبَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ؛ لأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِدَ طَعَامًا أَوْ مَا يُعْطَى لَهُ، أَوْ يَنْتَهِي إِلَى مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ.
(1) [في الأصل: قال المؤلف: "على ثلاثة أوجه"، ولكنه ذكر بعد ذلك أربعة أوجه]. (2) الظَّاهِرُ: لا يَتَخَلَّفُ.