قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

تواعد الإس

taktaktakiakatakatakas

وَالْوَجْهُ الأَوَّلُ لا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتركَ الطَّعَامُ مَمْضُوعًا فِي فِيهِ، فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَكِنَّ الثَّانِي قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الأَوَّلِ، وَلِهَذَا نَقُولُ: لَوِ انْحَازَ إِلَى جَبَل لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا حَشِيشَ، وَلَا يَطْرُقُهُ إِنْسَانٌ، وَجَلَسَ فِيهِ مُتَوَكَّلاً لَكَانَ آثِمًا سَاعِيًا فِي إِهْلَاكِ نَفْسِهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ زَاهِدًا فَارَقَ الأَمْصَارَ وَأَقَامَ فِي جَبَل سَبْعًا، وَقَالَ: لَا أَسْأَلُ أَحَدًا، فَكَادَ يَمُوتُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ اثْتِنِي بِرِزْقِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأَرْزُقَنَّكَ حَتَّى تَدْخُلَ الأَمْصَارَ، فَدَخَلَ فَجَاءَهُ هَذَا بِطَعَامٍ وَهَذَا بِشَرَابٍ، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَرَدْتَ أَنْ تُذْهِبَ حِكْمَتِي بِزُهْدِكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي أَرْزُقُ عَبْدِي بِأَيْدِي عِبَادِي أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَرْزُقَهُ بِيَدِ قُدْرَتِي"، فَإِنَّ التَّبَاعُدَ عَنِ الأَسْبَابِ كُلَّهَا مِنْ مُرَاغَمَةِ الْحِكْمَةِ وَجَهْل بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْأَوَّلُ مُتَوَكِّلٌ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، وَالثَّانِي مُتَوَكَّلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ وَالشُّرُوطِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ الزَّادُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَمُوتَ جُوعًا.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْقَاعِدُ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ تَارِكًا لِلْكَسْبِ، فَهَذَا مُتَوَكَّلٌ، وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ بِالْقُعُودِ فِي الْمِصْرِ مُتَعَرِّضُ لَأَسْبَابِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُبْطِلُ تَوَكَّلَهُ إِذَا كَانَ نَظَرُهُ إِلَى اللَّهُ مُسَخّرِ سُكَانِ الْبَلَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكْتَسِبَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ، يَرَى كَسْبَهُ وَبَضَاعَتَهُ - بِالإِضَافَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى - كَمَا يَرَى الْقَلَمَ فِي يَدِ الْمَلِكِ فَلَا يَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى الْقَلَمِ بَلْ إِلَى قَلْبِ الْمَلِكِ بِمَاذَا يَتَحَرَّكُ وَإِلَى مَاذَا يَمِيلُ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بِبَدَنِهِ مُكْتَسِبٌ، وَبِقَلْبِهِ عَنْهُ مُنْقَطِعٌ، فَحَالُ هَذَا أَشْرَفُ مِنْ حَالِ الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ إِذَا رُوعِيَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ الْحَالُ وَالْمَعْرِفَةُ كَمَا سَبَقَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا بُويعَ بِالْخِلافَةِ أَخَذَ الأَنْوَابَ تَحْتَ حِضْنِهِ فَدَخَلَ السُّوقَ يُنَادِي، فَعُوتِبَ، فَقَالَ: "لا تشْغَلُونِي عَنْ عِبَالِي، فَإِنِّي إِنْ ضَيَّعْتُهُمْ كُنْتُ لِمَا سِوَاهُمْ أَضْبَعَ، فَفُرِضَ لَهُ قُوتُ عِبَالِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَجَرَّدَ حِينَئِذٍ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ