قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

189

قواعد الإسـ

الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنِ الصِّدِّيقُ مُتَوَكِّلاً، فَمَنْ أَوْلَى بِالتَّوَكُل مِنْهُ؟ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَكَّلاً لا بِاعْتِبَارِ تَرْكِ الْكَسْبِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَنْبِيَاتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ الاتِّكَالُ عَلَى اللهِ فِي مَنَافِعِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا وَلا أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلَى أَيْدِي الْعِبَادِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ الْآخِرَةِ وَثَوَابُهَا فَلَا يَتَّكِلُ عَلَى اللَّهِ دُونَ أَفْعَالِهِ، وَلَا عَلَى أَفْعَالِهِ دُونَ اللهِ، وَإِنِ اتكَلَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَهُ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ فِي الآخِرَةِ بِغَيْرِ أَفْعَالٍ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَهْلِكُ، وَإِنِ اسْتَوْثَقَ الْعَبْدُ بِمَا فِي يَدِهِ وَظَنَّ أَنَّهُ لا يَزُولُ فَهَذَا اتَّكَالُ عَلَى غَيْرِ اللهِ، وَأَمَّا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ فَهُوَ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللهِ. وَيُقَالُ: الاسْتِيثَاقُ بِمَا فِي الْيَدِ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَالثَّقَةُ بِالْمَوْجُودِ ظَنُّ سُوءٍ بِالْمَعْبُودِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنَ التَّوَكُلِ وَشَوَاهِدِهِ فِي بَابِ الْقَدَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ فِي التَّفْوِيضِ اعْلَمْ أَنَّ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ وَاجِبٌ، ومَعْنَاهُ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ ضَرَّكَ وَنَفْعَكَ وَحَيَاتَكَ وَمَوْتَكَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا لَكَ رَازِقٌ غَيْرَهُ، وَلاَ مُعْطِ سِوَاهُ، وَلاَ مَانِعَ حَاشَاهُ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي قَلْبِكَ فَقَدْ فَوَّضْتَ الأُمُورَ الَّتِي تَنْجُو بِهَا وَتَرْجُو إِلَى مَالِكِهَا، فَأُسُ التَّفْوِيضِ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الْخَيْرِ وَلاَ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهُ، فَإِذَا كَانَ

اعْتِقَادُ الْعَبْدِ هَكَذَا فَقَدِ اسْتَرَاحَ قَلْبُهُ مِنَ الْخُضُوع إِلا لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ قَالَ حِكَايَةٌ عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَأَفَوَضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ) وَقَدْ بَالَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّصْرِيح بِهِ وَالنَّصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لِيَقِلَّ

(1) غَافِر: 44.