الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢الْبَدَنِ كَالْعَرَقِ وَاللَّبَنِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا نَحِسَةٌ بِعَيْنِهَا؛ لأَنَّ أَصْلَهَا دَمْ، وَلَأَنَّهَا تَجْرِي فِي مَجْرَى النَّجَسِ قِيَاسًا عَلَى الْبَوْلِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا الطُّهَرُ مِنَ النِّسَاءِ: فَهُوَ أَيْضًا نَجِسٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى عِلَّةٍ نَجَاسَتِهِ، وَأَظُنُّهَا
مِنْ قِبَلِ خُرُوجِهِ عَلَى مَخْرَجِ النَّجَسِ؛ لأَنَّهُ قَبْحٌ مُتَوَلِّدٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ جَارٍ عَلَى مَجْرَى الْبَوْلِ وَالْحَيْضِ. وَأَمَّا الْخَمْرُ: فَمُتَّفَقٌ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلَّ مُسْكِرٍ أَيْضًا عِنْدَ
(1)
الْجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، لِقَوْلِهِ: بُعِثْتُ بِإِرَاقَةِ الْخَمْرِ (2)، فَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِعَيْنهَا لاَ يَجُوزُ الاسْتِنْفَاعُ بِهَا وَلاَ بِجَمِيعِ فَضَلَاتِهَا مِنَ الْخَلِّ وَالدُّرْدِي وَغَيْرِهِ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِنَحِسَةٍ، وَأَظُنُّ قَوْلَهُمْ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ جِهَةِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ إِذَا حَلَّتْ فِيهَا صَارَتْ مُحَرَّمَةٌ، وَإِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعَ حُكْمُهَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ إِجْمَاعًا وَنَحِسَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90)، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَفِّقِينَ يَرَوْنَ طَهَارَتَهَا، وَأَنَّ نَجَاسَتَهَا مَعْنَوِيَّةٌ لَا حِرِّيَّةٌ؛ لأَنَّ الْأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، إِلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ خَاصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَةَ مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَيُلازِمُهَا التَّحْرِيمُ، فَكُلُّ نَجس مُحَرَّمٌ وَلَا عَكس؛ وذَلِكَ لأَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّجَاسَةِ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ مُلامَسَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ حُكُم بِتَحْرِيمِهَا، بِخِلافِ الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ بْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَهُمَا طَاهِرَانِ ضَرُورَةٌ وَإِجْمَاعًا. اهـ مُصَححه (2) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (3) التَّعْبِيرُ بِزَعْمٍ يُشْعِرُ بِتَضْعِيفِهِ وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُهُ.