الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦لَهَا مَا أَخَذَتْ بِأَفْوَاهِهَا وَلَكُمْ مَا غَبَرَ (1)، يَعْنِي مَا بَقِي.
وَهَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَكَرِهَهَا قَوْمٌ لِنَهْيِ الرَّسُولِ عَنْ أَكُل لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، فَكَانَتِ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ مَعْنَاهَا في
قِيَاسًا؛ لأَنَّهَا مَرْكُوبَةٌ غَيْرُ مَأْخُودَةٍ مِنْهَا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَذُو مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: اخْتُلِفَ فِيهَا أَيْضًا، فَحَرَّمَهَا قَوْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا، فَكَانَ الرَّوْثُ وَالْبَلَلُ وَسَائِرُ الْفَضَلَاتِ تَابِعَةٌ لِلُحُومِهَا، وَكَرَّهَهَا آخَرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا سَائِرُ الطُّيُورِ مِنَ الْعَصَافِيرِ وَالْحَمَامِ وَغَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ لَحْمِهَا وَسُؤْرِهَا، إِلَّا مَا كَرِهَ أَصْحَابُنَا مِنْ قَتْلِ سِتَّةِ أَجْنَاسِ مِنْهَا، لِوُرُودِ النَّهْيِ عَن قَتْلِهَا، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَقْتُلُوا سِتّا: الضَّفَادِعَ؛ فَإِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنْهَا تَسْبِيحٌ وَتَقْدِيسُ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ اسْتَأْذَنَتْ دَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ أَنْ تُطْفِي النَّارَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لِلضَّفَادِعِ فَأَزْكَتْ (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّبَاعِ تَرِدُ الْحِيَاضَ وَتَشْرَبُ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَهَا مَا وَلَغَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَكُمْ مَا غَبَرَ". قَالَ الرَّبِيعُ: أَيْ لَكُمْ مَا بَقِيَ. [باب أحكام المياه، ر 158] (2) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، ر 388، والبخاري، باب لحوم الخيل، ر 5201، بلفظ: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"]. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ
أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ [شرح النووي على مسلم، 95/ 13]. اهـ. وَقَالَ الْقُطْبُ فِي وَفَاءِ الضَّمَانَةِ: كَانَتِ الصَّحَابَةُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَفَضَالَهُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَلْقَمَةُ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ: الأُسُودَ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَدَاوُدُ، وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ، يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخَيْلِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ مَنْسُوخٌ، وَكَانَتْ قُرَيْشُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْبَحُهَا، وَقَدْ يُقَالُ: تَحْرِيمُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَجِدُوا مَا يَغْزُونَ عَلَيْهِ وَيُقَاتِلُونَ لَا لِحُرْمَةِ لَحْمِهَا - وَلَوْ قَالَ: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا - وَلَمَّا كَثُرَتْ حَلَّ
لَحْمُهَا. اهـ مُصَححه.