الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠وَكَيْفِيَّةُ اعْتِقَادِ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَيَقُولَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْوُضُوءِ: أَرْفَعُ بِوُضُوئِي هَذَا جَمِيعَ الأَحْدَاثِ، وَأَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ طَاعَةً لِلهِ
وَلِرَسُوله ".
مَسْأَلَة: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوُضُوءِ، هَل النِّيَّةُ شَرْطُ فِي إِيقَاعِهِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ شَرْطُ فِيهِ، وَلا يَصِحُ إِيقَاعُهُ إِلا بِهَا، وَأَجَازَ آخَرُونَ الطَّهَارَةَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إِذَا أَنَّى بِصِيغَةِ الطَّهَارَةِ، وَأَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الرَّأْيِ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرِ بِالنِّيَّةِ حَتَّ وَتَرْغِيبٌ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ، كَقَوْلِهِ: لا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ (1)، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ كَانَ مُؤَدِّيَا لِلْفَرْضِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنْ لا يَكُونَ الإِنْسَانُ مُتَطَهِّرًا لِوُضُوءِ صَلَاةٍ أَوْ غُسْلِ جَنَابَةٍ إِلَّا بِقَصْدٍ وَنِيَّة؛ لأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَالْعِبَادَةُ غَيْرُ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى لا
مسألة:
(2)
ؤَدَّى إِلا بِالنِّيَّةِ بِإِجْمَاعِ. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا (3) لَوْ غَسَلَ الإِنْسَانُ بَعْضَ جَوَارِحِهِ ثُمَّ نَوَاهَا لِلْوُضُوءِ وَبَنَى عَلَى غُسْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِيهِ؛ لأَنَّهُ قَدَّمَ عَمَلَهُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَلَا تَجُوزُ
(1) [رواه الربيع، باب في المساجد، ر 156]. (2) إِنَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ وَتَبَيِّنَتْ فَائِدَتُهُ، كَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهَا: نَفْعُ الْفُقَرَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ. وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهَا التَّظَافَةُ مِنَ الأَوْسَاحَ، وَعِدَّةِ الْحَامِل بِوَضْعَ الْحَمْلِ مَعْنَاهُ: لِتَلَا تَخْتَلَطَ الأَنْسَابُ. وَعِدَّةِ الَّتِي تَحِيضُ بِالْحَيْضِ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا سَالِمَةٌ مِنَ الْحَمْلَ، وَنَحْوِ ذلِكَ مَتَى عُرِفَتِ الْفَائِدَةُ الَّتِي شُرعَتْ لأَجْلِهَا. وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ مَعْنَى مَعْقُولٌ، كَالتَّيْتُم فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَنْظِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ لأَمْرِ الْمَالِكِ لَا غَيْرِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَالْمَغْرِبِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنِّى نَعْقِلُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِثَالٌ لِلأَمْرِ، وَيُسَمَّى التَّعَبُدَ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّظَافَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبدِ كَانَ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْعَجُوزِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى نَعْقِلُهُ، فَكُلُّ مَا لَا تَعْرِفُ لَهُ فَائِدَةً فَهُوَ تَعَبد. انتهى الْمُحَنِّى.
(3) [انظر أحمد الكندي: المصنف، 46/ 4، 47]