الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩الأُذُنَيْنِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي غَسْلِ الأَعْضَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَا تَأَخَّرَ ذِكْرُهُ فِي التَّلَاوَةِ، وَاعْتَلُوا بَأَنَّ الْوَاوَ لا تَقْتَضِي النَّسَقَ وَالتَّرْتِيبَ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْجَمْعَ فَقَطْ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ إِلا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي الآيَةِ، وَأَنَّ الْوَاوَ هَهُنَا هِيَ وَاوُ النَّسَقِ لَا وَاوُ الْجَمْعِ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلسَّائِل: تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ (2)، وَبِقَوْلِهِ عَلَى الصَّفَا: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ (3)، وَبِقَوْلِهِ: "هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلا بِهِ" ذَلِكَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى جَوَازِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يُرِدِ الْمُتَوَفِّئُ بِذَلِكَ خِلَافَ السُّنَّةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ (5) وَأَبِي نُوحٍ) وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ
(v)
،
(4)
(1) جَرَى اصْطِلاحُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُعَبِّرُوا فِيمَا لا يَجُوزُ فِيهِ الاخْتِلافُ بِـ "اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَفِيمَا يَجُوزُ فِيهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ".
(2) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب صَلاةِ مَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، (730]. (3) [رواه الربيع، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة ر 415، ومسلم، باب حجة النبي،
ر 3009].
(1) تَقَدَّم. (5) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(1) هُوَ أَبُو نُوحٍ صَالِحُ الدَّهَّانُ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، كَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ غَزِيرَ الْعِلْمِ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ عَنْهُمْ، أَخَذَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ أَحَدَ شُيُوحٍ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، أَخَذَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ عَنْ جَابِرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَحْتَرِمُ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَيُفْتِي هَذَا بِمَحْضَرِهِ، وَإِنْ ظَلَّ يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَشَدُّدَهُ كَمَا كَانَ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ رَفِيقُهُ حَيَّانُ الْأَعْرَجُ، كَانَ أَبُو نُوحٍ كَثِيرًا مَا يَقُولُ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ تَشْدِيدًا: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْفِتْيَانِ أَنْ تَسْأَلُونِي إِذَا كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَاضِرًا"؟ وَهَكَذَا نَجِدُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَلَقَّى عَنْ جَابِرٍ مَنْ يَمِيلُ إِلَى التَّيْسِيرِ كَأَبِي نُوحٍ وَضُمَامٍ وَحَيَّان، وَمَنْ يَجْنَحُ إِلَى التَّحَرِّي وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى الْأَحْوَطِ كَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالرَّبِيعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَنَا هَذَا الْفَرِيقُ الْأَخِيرُ أَدْمِغَةً عَامِرَةً عُلَمَاءَ مُجْتَهِدِينَ حَمَلُوا الشَّرِيعَةَ وَأَرْسَلُوا أَنْوَارَهَا إِلَى أَبْعَادِ سَحِيقَةٍ، فَأَضَاؤُوا شَرْقًا وَغَرْبًا، رَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الأَوْصَالَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي كَافَحَتِ الْجَهْلَ وَالْجَوْرَ، وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُمُ الْيَقِينُ، أَمَّا تَارِيخُ وَفَاتِهِ فَغَيْرُ مُنْضَبِطٍ كَكَثِيرٍ مِنْ زُمَلائِهِ لِقِلَّةِ اعْتِنَاءِ الْأَوَائِلِ بِالتَّفْيِيدِ وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الْحِفْظِ، وَلِكُلَّ عَصْرٍ مَيْزَتُهُ. اهـ. (7) ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي النَّحَارِيرِ الَّذِينَ تَخَرَّجُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَجَمَعَتْهُ وَالرَّبِيعَ حَلْقَهُ دَرْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَلَامِيذَ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقُ الْكِبَارِ